وكان يقال : ينبغي لمن صحب السلطان أن يستعد للعذر عن ذنب لم يجنه ، وأن
يكون آنس ما يكون به ، أوحش ما يكون منه .
وكان يقال : شدة الانقباض من السلطان تورث التهمة ، وسهولة الانبساط إليه
تورث الملالة .
وكان يقال : اصحب السلطان بأعمال الحذر ، ورفض الدالة ، والاجتهاد في النصيحة ،
وليكن رأس مالك عنده ثلاث : الرضا ، والصبر ، والصدق .
واعلم أن لكل شئ حدا ، فما جاوزه كان سرفا ، وما قصر عنه كان عجزا ،
فلا تبلغ بك نصيحة السلطان أن تعادي حاشيته وخاصته وأهله ، فإن ذلك ليس من حقه
عليك ، وليكن أقضى لحقه عنك ، وأدعى لاستمرار السلامة لك ، أن تستصلح أولئك
جهدك ، فإنك إذا فعلت ذلك شكرت نعمته ، وأمنت سطوته ، وقللت عدوك
عنده ، وإذا جاريت عند السلطان كفؤا من أكفائك فلتكن مجاراتك ومباراتك إياه
بالحجة ، وإن عضهك ( 1 ) ، وبالرفق وإن خرف بك . واحذر أن يستلحك فتحمى ،
فان الغضب يعمى عن الفرصة ، ويقطع عن الحجة ، ويظهر عليك الخصم ، ولا تتوردن
على السلطان بالدالة وإن كان أخاك ، ولا بالحجة وإن وثقت انها لك ، ولا بالنصيحة
وإن كانت له دونك ، فإن السلطان يعرض له ثلاث دون ثلاث : القدرة دون الكرم ،
والحمية دون النصفة ، واللجاج دون الحظ .
هامش
( 1 ) عضهك : كذبك .