للدين بكاؤه ، وإليه دعاؤه ، ثم هو أوحد للتابعين والمصدقين والمناصحين والمؤازرين ، لان تعصب ( 1 ) الناس موكل بالملوك ، ورحمتهم ومحبتهم موكلة بالضعفاء المغلوبين ، فاحذروا هذا
المعنى كل الحذر . واعلموا أنه ليس ينبغي للملك أن يعرف للعباد والنساك بأن يكونوا أولى بالدين منه ،
ولا أحدب عليه ولا أغضب له . [ ولا ينبغي ] ( 2 ) له أن يخلى النساك والعباد من الأمر والنهي
في نسكهم ودينهم ، فإن خروج النساك وغيرهم من الأمر والنهي عيب على الملوك وعلى المملكة وثلمة بينة الضرر على الملك وعلى من بعده .
واعلموا أنه قد مضى قبلنا من أسلافنا ملوك كان الملك منهم يتعهد الحماية بالتفتيش
والجماعة بالتفضيل ، والفراغ بالاشتغال ، كتعهده جسده بقص فضول الشعر والظفر وغسل
الدرن والغمر ( 3 ) ومداواة ما ظهر من الأدواء وما بطن ، وقد كان من أولئك الملوك من صحه ملكه أحب إليه من صحة جسده ، فتتابعت تلك الأملاك بذلك كأنهم ملك واحد ،
وكأن أرواحهم روح واحدة ، يمكن أولهم لآخرهم ، ويصدق آخرهم أولهم يجتمع أبناء
أسلافهم ، ومواريث آرائهم ، وثمرات عقولهم عند الباقي منهم بعدهم ، وكأنهم جلوس
معه يحدثونه ويشاورونه ، حتى كأن على رأس دارا بن دارا ما كان من غلبة الإسكندر
الرومي على ما غلب عليه من ملكه . وكان إفساده أمرنا ، وتفرقته جماعتنا ، وتخريبه
عمران مملكتنا أبلغ له فيما أراد من سفك دمائنا فلما أذن الله عز وجل في جمع مملكتنا
وإعادة أمرنا ، كان من بعثه إيانا ما كان . وبالاعتبار يتقى العثار ، والتجارب الماضية
دستور يرجع إليه من الحوادث الآتية .
واعلموا أن طباع الملوك على غير طباع الرعية والسوقة : فان الملك يطيف به العز
والامن والسرور والقدرة على ما يريد ، والأنفة والجرأة والعبث
شرح نهج البلاغة — صفحة 125
مساهمون: ابن أبي الحديد
ص١٢٥