قلت : هذا أيضا من تحامل أبى عثمان ، هلا ذكر قتلى الطف وهم عشرون سيدا من
بيت واحد قتلوا في ساعة واحدة ! وهذا ما لم يقع مثله في الدنيا لا في العرب ولا في العجم .
ولما قتل حذيفة بن بدر يوم الهباءة ( 1 ) وقتل معه ثلاثة أو أربعة من أهل بيته ضربت
العرب بذلك الأمثال واستعظموه ، فجاء يوم الطف ، " جرى الوادي فطم على
القري ( 2 ) " .
وهلا عدد القتلى من آل أبي طالب فإنهم إذا عدوا إلى أيام أبى عثمان كانوا عددا
كثيرا أضعاف ما ذكره من قتلى الأسديين !
قال أبو عثمان : وإن كان الفخر والفضل في الجود والسماح فمن مثل عبد الله بن
جعفر بن أبي طالب ! ومن مثل عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب !
وقد اعترضت الأموية هذا الموضع فقالت : إنما كان عبد الله بن جعفر يهب ما كان
معاوية ويزيد يهبان له ، فمن فضل جودنا جاد .
قالوا : ومعاوية أول رجل في الأرض وهب ألف ألف درهم ، وابنه أول من
ضاعف ذلك ، فإنه كان يجيز الحسن والحسين ابني علي عليه السلام في كل عام لكل
واحد منهما بألف ألف درهم ، وكذلك كان يجيز عبد الله بن العباس وعبد الله بن جعفر ،
فلما مات وقام يزيد وفد عليه عبد الله بن جعفر ، فقال له : إن أمير المؤمنين معاوية
كان يصل رحمي في كل سنة بألف ألف درهم ، قال : فلك ألفا ألف درهم ، فقال :
بأبي أنت وأمي ! أما إني ما قلتها لابن أنثى قبلك ، قال : فلك أربعة آلاف ألف درهم .
وهذا الاعتراض ساقط ، لان ذلك إن صح لم يعد جودا ولا جائزة ولا صلة رحم ، هؤلاء
هامش
( 1 ) يوم الهباءة من أيام العرب المشهورة .
( 2 ) قال صاحب مجمع الأمثال 1 : 158 " أي جرى سيل الوادي فطم ، أي دفن ، يقال :
طم السيل الركبة ، أي دفنها . والقرى : مجرى الماء في الروضة والجمع أقرية . . . أي أتى على
على القرى ، يعني أهلكه بأن دفنه .