فقال أخشنوار : لا يغرنك ما تخدع به نفسك من حملك الحجر أمامك ، فإن الناس
لو كانوا يعطون العهود على ما تصف من إسرار أمر وإعلام آخر ، إذا ما كان ينبغي
لأحد أن يغتر بأمان ، أو يثق بعهد ! وإذا ما قبل الناس شيئا مما كانوا يعطون من
ذلك ، ولكنه وضع على العلانية ، وعلى نية من تعقد له العهود والشروط . ثم انصرف .
فقال فيروز لأصحابه : لقد كان أخشنوار حسن المحاورة وما رأيت للفرس الذي كان
تحته نظيرا في الدواب ، فإنه لم يزل قوائمه ، ولم يرفع حوافره عن مواضعها ، ولا صهل ،
ولا أحدث شيئا يقطع به المحاورة في طول ما تواقفنا .
وقال أخشنوار لأصحابه : لقد وافقت فيروز كما رأيتم وعليه السلاح كله ، فلم يتحرك ،
ولم ينزع رجله من ركابه ، ولا حنى ظهره ، ولا التفت يمينا ولا شمالا ،
ولقد توركت
أنا مرارا ، وتمطيت على فرسي ، والتفت إلى من خلفي ، ومددت بصرى فيما أمامي ، وهو
منتصب ساكن على حاله ، ولولا محاورته إياي لظننت أنه لا يبصرني ، وإنما أرادا بما وصفا من
ذلك أن ينشر هذان الحديثان في أهل عسكرهما فيشتغلوا بالإفاضة فيهما عن النظر فيما تذاكرا .
فلما كان في اليوم الثاني أخرج أخشنوار الصحيفة التي كتبها لهم فيروز ،
ونصبها على رمح ليراها أهل عسكر فيروز فيعرفوا غدره وبغيه ، ويخرجوا من
متابعته على هواه ، فما هو إلا أن رأوها ، حتى انتقض عسكرهم واختلفوا ، وما تلبثوا إلا
يسيرا حتى انهزموا ، وقتل منهم خلق كثير ، وهلك فيروز ، فقال أخشنوار لقد صدق
الذي قال ، لا مرد لما قدر ولا شئ أشد إحالة لمنافع الرأي من الهوى واللجاج ، ولا أضيع
من نصيحة يمنحها من لا يوطن نفسه على قبولها ، والصبر على مكروهها ، ولا أسرع عقوبة
وأسوأ عاقبة من البغي والغدر ، ولا أجلب لعظيم العار والفضوح من الانف وإفراط
العجب ( 1 ) .
هامش
( 1 ) عيون الأخبار 1 : 117 - 121 .