بأصابعه - فقلت ما تأمرني ؟ فقال : ( إلزم بيتك ، واملك عليك لسانك ، وخذ ما تعرف ،
ودع ما تنكر ، وعليك بأمر الخاصة ، ودع عنك أمر العامة ) .
وروى ابن مسعود عنه صلى الله عليه وآله أنه قال : ( سيأتي على الناس زمان لا يسلم
لذي دين دينه إلا من فر من قرية إلى قرية ، ومن شاهق إلى شاهق ، كالثعلب الرواغ )
قيل : ومتى ذلك يا رسول الله ؟ قال : ( إذا لم تنل المعيشة إلا بمعاصي الله سبحانه ، فإذا
كان ذلك الزمان كان هلاك الرجل على يد أبويه ، فإن لم يكن له أبوان فعلى يد زوجته
وولده ، وإن لم يكن فعلى يد قرابته ) ، قالوا : كيف ذلك يا رسول الله ؟ قال : ( يعيرونه
بالفقر وضيق اليد ، فيكلفونه مالا يطيقه حتى يورده ذلك موارد الهلكة ) .
وروى ابن مسعود أيضا أنه صلى الله عليه وآله ذكر الفتنة ، فقال : ( الهرج )
فقلت : وما الهرج يا رسول الله ؟ قال : ( حين لا يأمن المرء جليسه ) ، قلت : فبم تأمرني
يا رسول الله ، إن أدركت ذلك الزمان ؟ قال : ( كف نفسك ويدك ، وادخل دارك ) ،
قلت : أرأيت إن دخل على داري ! قال : ( ادخل بيتك ) ، قلت : إن دخل على
البيت ، قال : ( ادخل مسجدك ، واصنع هكذا - وقبض على الكوع - وقل ربى الله ،
حتى تموت ) .
* * *
ومنها الخلاص من شر الناس ، فإنهم يؤذونك تارة بالغيبة ، وتارة بسوء الظن والتهمة
وتارة بالاقتراحات والأطماع الكاذبة التي يعسر الوفاء بها ، وتارة بالنميمة والكذب
مما يرونه منك من الأعمال والأقوال مما لا تبلغ عقولهم كنهه ، فيدخرون ذلك في نفوسهم
عدة ، لوقت ينتهزون فيه فرصة الشر ، ومن يعتزلهم يستغن عن التحفظ لذلك .
وقال بعض الحكماء لصاحبه : أعلمك شعرا هو خير لك من عشرة آلاف
درهم ! وهو :
شرح نهج البلاغة — صفحة 47
مساهمون: ابن أبي الحديد
ص٤٧