كان الفضيل جالسا وحده في المسجد ، فجاء إليه أخ له ، فقال : ما جاء بك ؟ قال :
المؤانسة ، قال : هي والله بالمواحشة أشبه ، هل تريد إلا أن تتزين لي وأتزين لك ،
وتكذب لي وأكذب لك ! إما أن تقوم عنى ، وإما أن أقوم عنك .
وقال بعض العلماء : ما أحب الله عبدا إلا أحب ألا يشعر به خلقه .
ودخل طاوس على هشام بن عبد الملك ، فقال : كيف أنت يا هشام ؟ فغضب ، وقال :
لم لم تخاطبني بإمرة المؤمنين ؟ قال : لان جميع الناس ما اتفقوا على خلافتك ، فخشيت أن
أكون كاذبا .
فمن أمكنه أن يحترز هذا الاحتراز ، فليخالط الناس ، وإلا فليرض بإثبات اسمه في
جريدة المنافقين إن خالطهم ، ولا نجاة من ذلك إلا بالعزلة .
وأما سرقة الطبع من الغير ، فالتجربة تشهد بذلك ، لان من خالط الأشرار اكتسب
من شرهم ، وكلما طالت صحبة الانسان لأصحاب الكبائر ، هانت الكبائر عنده
وفى المثل : ( فإن القرين بالمقارن يقتدى ( 1 ) ) .
ومنها الخلاص من الفتن والحروب بين الملوك والامراء على الدنيا .
روى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله ، أنه قال : ( يوشك أن يكون
خير مال المسلم غنيمات يتبع بها شعاف الجبال ، ومواضع القطر ، يفر بدينه من
الفتن ) .
وروى عبد الله بن عمرو بن العاص ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله ذكر الفتن ،
فقال : إذا رأيت الناس قد مرجت عهودهم ( 2 ) ، وخفت أمانتهم ، وكانوا هكذا - وشبك
هامش
( 1 ) أصله قول الشاعر :
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه * فكل قرين بالمقارن يقتدى .
( 2 ) مرجت عهودهم ، أي اختلطت . أملك عليك لسانك ، أي لا تجره إلا بما يكون لك لا عليك .
وانظر النهاية لابن الأثير 4 : 87 ، 106 .