تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 272

مساهمون:

ص٢٧٢
أعقل منها ، ولا أبين ، وإنها لتدل على علم وحكم ، وفصاحة وفقاهة ، في دين ودهاء ، وبعد غور ، وشدة غوص . فقال له واحد من القوم : أيها القاضي ، فلو أتممت المنة علينا بروايتها سمعناها ورويناه عنك ، فنحن أوعى لها من المهلبي ، وأوجب ذماما عليك . فقال ( 1 ) : هذه الرسالة رواها عيسى بن دأب ، عن صالح بن كيسان ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه عروة بن الزبير ، عن أبي عبيدة بن الجراح ( 1 ) . قال أبو عبيدة : لما استقامت الخلافة لأبي بكر بين المهاجرين والأنصار ، ولحظ بعين الوقار والهيبة - بعد هنة ( 2 ) كاد الشيطان بها يسر فدفع الله شرها ، وأدحض عسرها ، فركد كيدها ، وتيسر خيرها ، وقصم ظهر النفاق والفسق بين أهلها - بلغ أبا بكر عن علي عليه السلام تلكؤ وشماس ، وتهمهم ( 3 ) ونفاس ، فكره أن يتمادى الحال وتبدو له العورة ، وتنفرج ( 4 ) ذات البين ، ويصير ذلك دريئة لجاهل مغرور ، أو عاقل ذي دهاء ، أو صاحب سلامة ضعيف القلب ، خوار العنان ، دعاني في خلوة فحضرته ، وعنده عمر وحده - وكان عمر قبسا له وظهيرا معه ، يستضئ بناره ، ويستملي من لسانه - فقال لي : يا أبا عبيدة ، ما أيمن ناصيتك ، وأبين الخير بين عارضيك ! لقد كنت من رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمكان المحوط ، والمحل المغبوط ، ولقد قال فيك في يوم مشهود : ( أبو عبيدة أمين هذه الأمة ) ، وطالما أعز الله الاسلام بك ، وأصلح ثلمه على يديك ، ولم تزل للدين ناصرا وللمؤمنين روحا ، ولأهلك ركنا ، ولاخوانك مردا ! قد أردتك
هامش
( 1 ) في صبح الأعشى : ( حدثنا خزاعي بمكة ، عن أبي ميسرة ، قال : حدثنا محمد بن أبي فليح ، عن عيسى بن دأب المتاح ، قال : سمعت مولاي أبا عبيدة يقول : ) . ( 2 ) صبح الأعشى : ( بعد فتنة ) . ( 3 ) همهم الرجل : تكلم كلام خفيا ، والنفاس : مصدر نافس ، أي رغب في الشئ وفى نهاية الإرب وصبح الأعشى : ( تهمم ) ( 4 ) نهاية الإرب : ( وتفرق ) .