بل يعلم أمورا محدودة من المغيبات ، مما اقتضت حكمة البارئ سبحانه أن يؤهله لعلمه ،
وكذلك القول في رسول الله صلى الله عليه وآله إنه إنما كان يعلم أمورا معدودة لا أمورا
غير متناهية ، ومع أنه عليه السلام قد كتم ما علمه حذرا من أن يكفروا فيه برسول الله صلى
الله عليه وآله ، فقد كفر كثير منهم ، وادعوا فيه النبوة ، وادعوا فيه أنه شريك الرسول في
الرسالة ، وادعوا فيه أنه هو كان الرسول ، ولكن الملك غلط فيه ، وادعوا أنه هو الذي
بعث محمدا صلى الله عليه وآله إلى الناس ، وادعوا فيه الحلول ، وادعوا فيه الاتحاد ، ولم يتركوا
نوعا من أنواع الضلالة فيه إلا وقالوه واعتقدوه ، وقال شاعرهم فيه من أبيات :
ومن أهلك عادا * وثمودا بدواهيه ومن
كلم موسى فوق * طور إذ يناديه
ومن قال على المنبر * يوما وهو راقيه
سلوني أيها الناس * فحاروا في معانيه .
وقال بعض شعرائهم :
إنما خالق الخلائق من زعزع * أركان حصن خيبر جذبا
قد رضينا به إماما ومولى * وسجدنا له إلها وربا
( جملة من أخبار علي بالأمور الغيبية )
وقد ذكرنا فيما تقدم من أخباره عليه السلام عن الغيوب طرفا صالحا ، ومن عجيب
ما وقفت عليه من ذلك قوله في الخطبة التي يذكر فيها الملاحم وهو يشير إلى القرامطة ( 1 ) :
هامش
( 1 ) يرجع مذهب القرامطة إلى كبيرهم الحسن بن بهرام الجنابي أبو سعيد ، كان دقاقا من أهل
جناية بفارس ، ونفى فيها ، فأقام في البحرين تاجرا ، وجعل يدعو العرب إلى نحلته ، فعظم أمره ، فحاربه الخليفة
مظفر الحسن وصافاه المقتدر العباسي ، وكان أصحابه يسمونه السيد . استولى على هجر والأحساء والقطيف وسائر بلاد
البحرين ، وكان شجاعا ، قتله خادم له صقلي في الحمام بهجر مات سنة / 301 وانظر تاريخ
ابن الأثير .