وأخيرا قرأنا في السنة الثانية من الدراسات العليا لكلية الشريعة عام 1396 الموافق 1976 م أبوابا مختارة من كتاب « حجة اللّه البالغة » الذي يعد مأثرة الإمام الدهلوي العلمية الرائعة ، كما بدأنا نقرأ عنه في كتابات العلماء الكبار ونزداد إعجابا به وتأثرا بشخصيته الفريدة المحيطة بجوانب الشريعة الإسلامية فهما وعلما وتأليفا في تناسق واتزان عجيب ، إن دل ذلك على شيء فإنما يدل على طبيعته المتزنة العادلة الحكيمة ، وهو معروف بحكيم الإسلام وحق له هذا الوصف في حكمته ولباقته وحدة ذهنه وفراسته إلخ .
ومن ثم قررت أن يكون هو موضوعي في رسالة الماجستير ( الدراسات العليا ) ، وكنت في قسم الحديث فوقع اختياري على كتابه « المصفى » شرح الموطأ ( بالفارسية ) ورأيت أنه فقيه مجتهد فيه أكثر من مجرد شارح للحديث ، وكنت قرأت كتابيه « الإنصاف في أسباب الاختلاف » و « عقد الجيد في أحكام الاجتهاد والتقليد » فتكونت لديّ فكرة واضحة عن فقهه وأصوله ، ومنهجه الخاص في معالجة القضايا الفقهية والحديثية الذي يميل إلى الجمع والتوفيق بدلا من التحيز والتفريق ، واخترت عنوان الرسالة « آراء الإمام الدهلوي في أسباب الاختلاف وتاريخ التشريع الإسلامي » ليكون تمهيدا للكتابة عن فقهه وموقفه من المذاهب الأربعة ، وقدّمت الرسالة ثم لم يتيسر لي الاستمرار في هذا البحث .
وكنت أفكر - دائما - في إبراز كتاباته وإخراجها إلى النور وترجمة بعض كتبه من الفارسية إلى العربية ، لا سيما « المصفّى » شرح الموطأ ، و « الفوز الكبير في أصول التفسير » وقد سمعت عدة مرات من سماحة شيخنا أبى الحسن الندوي حفظه اللّه تعالى : « أن الحاجة إلى ترجمته الصحيحة الدقيقة لا تزال قائمة » .
وعهد إليّ بتدريس هذا الكتاب في العام الدراسي المنصرم في السنة الثالثة من كلية الشريعة للطلاب الوافدين من إفريقيا وماليزيا وأندونيسيا وغيرها ، فرأيت - بوضوح أكثر - أن الترجمة قاصرة ، وأن الأسلوب لا يساير العصر ، وأن المترجم - جزاه اللّه تعالى خيرا - لم يستطع أن يفي بالغرض . ورغم أن الكتاب يشتمل على مباحث مهمة وكثير من النكات الدقيقة والمعاني الحقيقة بالنظر والتفكير إلا أنه لم تتجلّ أهميتها ، ولم يعرف الكتاب في الأوساط العلمية والدراسية كما ينبغي ، ومن الأسباب العاملة في ذلك أيضا إيجازه الشديد ، والاقتصار على إشارات وتلميحات في مواضع كثيرة تحتاج إلى بحوث موسعة ، ونظرات دقيقة ، وتعليقات مستفيضة .
الفوز الكبير في أصول التفسير — صفحة 4
مساهمون: السيد سلمان الحسينى الندوى
ص٤