يصلحه الخير أصلحه الشر ، مالك لا تقول كما كنت تقول لسعيد ومعاوية ؟ فيقولون :
نتوب إلى الله ، أقلنا أقالك الله ، فما زال ذاك دأبه ودأبهم حتى قال : تاب الله عليكم . فكتب
إلى عثمان يسترضيه عنهم ويسأله فيهم فردهم إلى الكوفة .
تاريخ الطبري 5 : 88 - 90 ، الكامل لابن الأثير 3 : 57 - 60 ، شرح ابن أبي
الحديد 1 : 158 - 160 ورأى هذه الصورة أصح ما ذكر في القضية ، تاريخ ابن خلدون
2 : 387 - 389 ، تاريخ أبي الفدا ج 1 : 168 في حوادث سنة 33 .
قال الأميني : كان في عظمة أكثر هؤلاء القوم وصلاحهم المتسالم عليه وتقواهم
المعترف بها مرتدع من أذاهم وإجفالهم عن مستوى عزهم وموطن إقامتهم وتسييرهم
من منفي إلى منفى ، والإصاخة إلى سعاية ذلك الشاب المستهتر والله سبحانه يقول :
إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ( 1 )
وكان على الخليفة أن يبعث إليه باللائمة بل يعاقبه على ما فرط في جنب أولياء الله
بتسميته إياهم السفهاء وهم قراء المصر ، وزعماء الملأ ، ونساك القطر ، وفقهاء القارة ، وهم
القدوة في التقوى والنسك ، وبهم الأسوة في الفقه والأخلاق ، ولم يكن عليهم إلا عدم
التنازل لميول ذلك الغلام الزائف ، وعدم مماشاتهم إياه على شهواته ومزاعمه ، وهلا أستشف
الخليفة حقيقة ما شجر بينه وبين القوم حتى يحكم فيه بالحق ، لكنه بدل أن يتخذ تلكم
الطريقة المثلى في القضية استهواه ذلك الشاب المترف فمال إليه بكله ، ونال من القوم
ما نال ، وأوقع بهم ما حبذه له الحب والمعمي والمصم ، لكن الدين وملأه أنكرا ذلك عليه
وحفظه التاريخ مما نقم به على عثمان .
كانت لائمة معاوية للقوم مزيجها الملاينة لاعن حلم ، وخشونة لا يستمر عليها ،
كل ذلك لم يكن لنصرة حق أو ابتغاء إصلاح ، وإنما كان يكاشفهم جلبا لمرضاة الخليفة ،
ويوادعهم لما كان يدور في خلده من هوى الخلافة غدا ، وكان يعرف القوم بالشدة
والمتبوعية ، فما كان يروقه قطع خط الرجعة بينه وبينهم متى تسنى له الحصول على
غايته المتوخاة ، وكانت هذه الخواطر لا تبارحه ، ولا يزال هو يعد الدقائق والثواني
للتوصل إليها ، وكان أحب الأشياء إليه اكتساح العراقيل دونها ، ولذلك أطلق سراح
هامش
( 1 ) سورة الحجرات : 6 .