أوقية ( 1 ) - ونضدت له ثلاثمأة وستين كرسيا في داره ، وأسدلت على كل كرسي
حلة بألف دينار ، كما سمعته عن الشيخ محمد زين العابدين البكري ، وأنت تعلم ما يستتبع
هذا التجمل من لوازم وآثار ، وأثاث ورياش ، ومناضد وأواني وفرش ، لا تقصر عنها
في القيمة ، وما يلزم من خدم وحشم ، وقصور شاهقة ، وغرف مشيدة ، وما يلازم هذه
البسطة في المال من خيل وركاب وأغنام ومواشي وضيعة وعقار ، إلى غيرها من توابع
الجاه والمال .
أنا لا أدري أي باحة كانت تقل ذلك كله ؟ ولم يفز بمثلها يومئذ أحد من ملوك
الدنيا ، وهل كانت الكراسي المذكورة منضدة في غرفة واحدة ؟ فما أكبرها من غرفة ؟
تضاهي ميادين القتال ، ومفازات البراري ، وما أكبر الدار التي هي إحدى غرفها ؟
وأي يوم كان يوم قبول أبي بكر ؟ تزدلف إليه فيه الرجال فتجلس على تلكم الكراسي
، ولم لا نسمع من السير والتواريخ عن ذلك اليوم ركزا ؟ أكان في أفواه الجالسين
عليها أوكية عن نقل شئ من حديثه ؟ وطبع الحال يقضي أن يكون في ذلك المحتشد
العظيم المتكرر في كل أسبوع ، وعلى الأقل في كل شهر . وأقل منه في كل سنة ،
ولا أقل من انعقاده في العمر مرة ، من الأنباء ما لا يلهو التاريخ عن ذكره ، ولا يستسهل
المؤرخ تركه ، لكنك بالرغم من ذلك كله لا تجد عنه إلا همسا يتخافت به العبيدي
بعد لأي من عمر الدهر .
ومن أي حرفة أو مهنة أو صنعة أو ضياع حصل على الرجل مليون أوقية من النقود ؟
وكان يومئذ يوم فاقة لقريش ، وكانوا كما وصفتهم الصديقة الطاهرة في خطبتها مخاطبة
أبا بكر والقوم معه : كنتم تشربون الطرق ( 2 ) وتقتالون الورق ، أذلة خاشعين تخافون
أن يتخطفكم الناس من حولكم فأنقذكم الله برسوله ( 3 ) .
ولعل في ذلك اليوم كان ما رواه الماوردي في أعلام النبوة ص 146 من طريق
مالك بن أنس إنه بلغه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد فوجد أبا بكر وعمر رضي الله
هامش
( 1 ) الأوقية : أربعون درهما .
( 2 ) الطرق بفتح المهملة : الماء المجتمع الذي خيض فيه وبيل وبعر فكدر . لسان العرب .
( 3 ) بلاغات النساء ص 13 ، أعلام النساء 3 : 1208 .