وأما وجود مال له بالطائف فالرجل مكي قد هاجر عنها لا طائفي ، وبينه وبين
الطائف عدة مراحل ، هب أن له مالا بمكة أو بنفس منى وعرفة اللتين أتم فيهما
الصلاة ، فإن مجرد المال في مكان ليس يقطع السفر ما لم يجمع الرجل مكثا ، وقد
قصر أصحاب النبي صلى الله عليه وآله معه عام الفتح ، وفي حجة أبي بكر ولعدد منهم بمكة دار أو
أكثر وقرابات . كما رواه الشافعي ، قال في كتاب الأم 1 : 165 : قد قصر أصحاب رسول
الله صلى الله عليه وسلم معه عام الفتح ، وفي حجته ، وفي حجة أبي بكر ، ولعدد منهم بمكة دار أو
أكثر وقرابات : منهم أبو بكر له بمكة دار وقرابة ، وعمر له بمكة دور كثيرة ،
وعثمان له بمكة دار وقرابة ، فلم أعلم منهم أحدا أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاتمام ، ولا
أتم ولا أتموا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في قدومهم مكة ، بل حفظ عمن حفظ عنه منهم
القصر بها . وذكره البيهقي في السنن 3 : 153 .
وأما الخيفة ممن حج من أهل اليمن وجفاة الناس الذين لم يتمرنوا بالأحكام
أن يقولوا : إن الصلاة لمقيم ركعتان هذا إمام المسلمين يصليها كذلك . فقد كانت أولى
بالرعاية على العهد النبوي والناس حديثوا عهد بالاسلام ، ولم تطرق جملة من الأحكام
أسماعهم ، وكذلك على العهدين قبله ، لكن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يرعها بعد بيان حكمي
الحاضر والمسافر ، وكذلك من اقتص أثره من بعده ، ولقد صلى صلى الله عليه وآله بمكة ركعتين
أيام إقامته بها ثم قال : أتموا الصلاة يا أهل مكة ! فإنا سفر . أو قال : يا أهل البلد صلوا
أربعا فإنا سفر ( 1 ) . فأزال صلى الله عليه وآله ما حاذره الخليفة في تعليله المنحوت بعد الوقوع ، فهلا
كان منه اقتصاص لأثر النبي صلى الله عليه وآله ؟ فيما لم يزل دائبا عليه في أسفاره ، فهلا اقتص أثره
مع ذلك البيان الأوفى ؟ ولم يكن على الأفواه أوكية ، ولا على الآذان صمم ، وهل
الواجب تعليم الجاهل ؟ أو تغيير الحكم الثابت من جراء جهله ؟ :
على أن الخليفة إن أراد أن ينقذ الهمج من الجهل بتشريع الصلاة أربعا فقد ألقاهم
في الجهل بحكم صلاة المسافر ، فكان تعليمه العملي إغراء بالجهل ، وواجب التعليم هو
الاستمرار على ما ثبت في الشريعة مع البيان ، كما فعله رسول الله صلى الله عليه وآله في مكة كما مر
هامش
( 1 ) سنن البيهقي 3 : 136 ، 157 ، سنن أبي داود 1 : 191 ، أحكام القرآن للجصاص 2 :
310 .