فصاحب النبي الأعظم في الغار ، والمهاجر الوحيد معه في الرعيل الأول من
المهاجرين السابقين يهمنا إكباره وإعظامه ، ويعد من الجنايات الفاحشة بخس حقه ،
والتقصير في تحديد نفسياته ، والخروج عن قضاء العدل فيها ، والنزول على حكم
العاطفة .
ونحن لا نحوم حول موضوع الخلافة وإنها كيف تمت ؟ كيف صارت ؟ كيف
قامت ؟ كيف دامت ؟ وإن الآراء فيها هل كانت حرة ؟ ووصايا المشرع الأعظم هل كانت
متبعة ؟ أو كانت للأهواء والشهوات يوم ذاك حكومة جبارة هي تبطش وتقبض ، وهي
ترفع وتخفض ، وهي ترتق وتفتق ، وهي تنقض وتبرم ، وهي تحل وتعقد .
لا يهمنا البحث عن هذه كلها بعد ما سمعت أذن الدنيا حديث السقيفة مجتمع
الثويلة ، وقرطت بنبأ تلك الصاخة الكبرى ، والتحارش العظيم بين المهاجرين والأنصار ،
إذا وقعت الواقعة ، ليس لوقعتها كاذبة ، خافضة رافعة .
ما عساني أن أقول ؟ والتاريخ بين يدي الباحث يدرسه بأن كل رجل من سواد
الناس يوم ذاك كان يرى الفوز والسلامة لنفسه في عدم التحزب بأحد من تلكم الأحزاب
المتكثرة ، وترك الاقتحام في تلك الثورات النائرة ، وكانت الخواطر تهدده بالقتل مهما
أبدى الشقاق ، أو التحيز إلى فئة دون فئة ، بعد ما رأت عيناه فرند الصارم المسلول ،
وسمعت أذناه نداء محز ( 1 ) يتوعد بالقتل كل قائل بموت رسول الله ويقول : لا أسمع
رجلا يقول : مات رسول الله . إلا ضربته بسيفي . أو يقول : من قال : إنه مات . علوت
رأسه بسيفي ، وإنما ارتفع إلى السماء ( 2 ) .
يصيح : من قال نفس المصطفى قبضت * علوت هامته بالسيف أبريها ( 3 )
بعد ما تشازرت الأمة وتلاكمت وتكالمت وقام الشيخان يعرض كل منهما البيعة
هامش
( 1 ) المحز : الرجل الغليظ الكلام .
( 2 ) تأريخ الطبري 3 : 198 ، شرح ابن أبي الحديد 1 : 128 ، تاريخ ابن كثير 5 :
242 ، تأريخ أبي الفدا ج 1 : 156 ، المواهب اللدنية للقسطلاني ، روضة المناظر لابن شحنة
هامش الكامل 7 : 164 ، شرح المواهب للزرقاني 8 : 280 ، السيرة النبوية لزيني دحلان هامش
الحلبية 3 : 371 - 374 ، ذكرى حافظ للدمياطي ص 36 نقلا عن الغزالي .
( 3 ) من أبيات القصيدة العمرية لحافظ إبراهيم شاعر النيل .