أما نبوغه في علم التفسير فلم يؤثر عنه في هذا العلم شئ يحفل به ، فدونك
كتب التفسير والحديث فلا تكاد تجد فيها عنه ما يروى غلة صاد ، أو ينجع طلبة
طالب . نعم : يروى عنه أنه شارك صاحبه - عمر بن الخطاب - في عدم المعرفة لمعنى
الأب ( 1 ) الذي عرفه كل عربي صميم حتى أعراب البادية ، وليس من البدع أن
يعرفه حتى الساقة من الناس فإنه لا يعدوه أن يكون لدة بقية الكلمات العربية التي
لا تزال العرب تلهج بها في كل حل ومرتحل ، ولا هو الدخيل ( 2 ) حتى يعذر فيه الجاهل به ،
ولا من شواذ الكلم التي قلما تتعاطاه الجامعة العربية حتى يشذ عرفانه عن بعضهم .
وإن تعجب فعجب إعتذار من جنح إليه ( 3 ) بأنه كان يلتزم الحايطة في تفسير
القرآن ، ولذلك تورع عن الإفاضة في معنى الأب لكن عرف من عرف أن الحايطة
إنما تجب في بيان مغازي القرآن الكريم وتعيين إرادته ، وتبيين مجمله ، وتأويل متشابهه ،
وما يجري مجرى ذلك مما يحظر في الدين التسرع إليه من دون تثبت وتوقيف ، وأما
معاني ألفاظه العربية للعريق في لغة الضاد فأي حائطة تضرب على يده عن أن يفهمها
وهو يعرفها بطبعه وجبلته .
وهب أن الرجل لم يحط خبرا بلغة قومه فهلا تروى في الذكر الحكيم في ذيل
الآية الكريمة من قوله سبحانه : متاعا لكم ولأنعامكم . بيانا للفاكهة والأب ؟ ليعلم
أنه سبحانه وتعالى امتن على الناس بالفاكهة ليأكلوها ، وبالأب لترعاه أنعامهم ، فتلك
فاكهة ، وهذا العشب . أخرج أبو القاسم البغوي عن ابن أبي مليكه قال : سئل أبو بكر عن آية فقال : أي
أرض تسعني ؟ أو أي سماء تظلني ؟ إذا قلت في كتاب الله ما لم يرد الله ؟
وأخرج أبو عبيدة عن إبراهيم التيمي قال : سئل أبو بكر عن قوله تعالى
هامش
( 1 ) في قوله تعالى في سورة عبس : فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا وحدائق غلبا
وفاكهة وأبا .
( 2 ) أما ما زعمه ابن حجر في فتح الباري من أن الكلمة من الدخيل ولذلك لم يعرفها الخليفتان
فقد مر الجواب عنه في الجزء السادس ص 100 ط 2 .
( 3 ) نظراء القرطبي والسيوطي .