أو حكمة بالغة ، أو صناعة تفيد المجتمع ، أو علوم يستفيد بها البشر ، وإن كان ما في القرآن
أبعد من ذلك مغزى ، وأعمق منتهى ، وأحكم صنعا ، غير أن قصر الأفهام عن مغازي
القرآن الكريم ترك الناس لا يستنبطون تلك العلوم ، مع إخباتهم إلى إنه لا يغادر صغيرة
ولا كبيرة إلا أحصاها ، ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ، فالمنع عن النظر في تلك
الكتب جناية على المجتمع وإبعاد عن العلوم ، وتعزير الناظر فيها لا يساعده قانون
الاسلام العام كتابا وسنة .
والله يعلم ما خسره المسلمون بإبادة تلك الثروة العلمية في الإسكندرية وتشتيتها
في بلاد الفرس من حضارة راقية ، وصنايع مستطرفة لا ترتبطان بهدى أو ضلال
كما حسبه الخليفة في كتب الفرس ، ولا تناطان بموافقة الكتاب أو مخالفته كما زعمه
في أمر مكتبة الإسكندرية العامرة ، وما كان يضر المسلمين لو حصلوا على ذلك الثراء
العلمي ؟ فأوقفهم على ثروة مالية ، وبسطة في العلم ، وتقدم في المدنية ، ورقي في
العمران ، وكمال في الصحة ، وكل منها يستتبع قوة في الملك ، وهيبة عند الدول ،
وبذخا في العالم كله ، وسعة في أديم السلطة ، فهل يفت شئ من ذلك في عضد الهدى ؟
أو يثلم جانبا من الدين ؟ نعم أعقب ذلك العمل الممقوت تقهقرا في العلوم ، وفقرا في الدنيا ،
وسمعة سيئة لحقت العروبة والاسلام ، وفي النقاد من يحسبه توحشا ، وفيهم من
يعده من عمل الجاهلين ، ونحن نكل الحكم فيه إلى العقل السليم ، والمنطق الصحيح .
على أن الخليفة كان يسعه أن ينتقي من هذه الكتب ما أوعزنا إليه مما ينجع
المجتمع البشري ، ويتلف ما فيه الالحاد والضلال ، لكنه لم يفعل ومضى التاريخ كما
وقعت القصة .
95 الخليفة والقراءات
عن محمد بن كعب القرظي مر عمر بن الخطاب برجل يقرأ هذه الآية " والسابقون
الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه "
( 1 ) فأخذ عمر بيده فقال : من أقرأك هذا ؟ فقال : أبي بن كعب . فقال : لا تفارقني حتى
هامش
( 1 ) سورة التوبة آية 100 .