من البلايا ، والمنايا ، والقضايا ، وإعلامهم الناس بشئ من ذلك ، إلى أمر المولى سبحانه
ورخصته ، وإنما العلم ، والعمل به ، وإعلام الناس بذلك ، مراحل ثلاث لا دخل لكل
مرحلة بالأخرى ، ولا يستلزم العلم بالشئ وجوب العمل على طبقه ، ولا ضرورة
الاعلام به ، ولكل منها جهات مقتضية ووجوه مانعة لا بد من رعايتها ، وليس كلما
يعلم يعمل به ، ولا كلما يعلم يقال .
قال الحافظ الأصولي الكبير الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن موسى اللخمي الشهير
بالشاطبي المتوفى 790 في كتابه القيم [ الموافقات في أصول الأحكام ] ج 2 ص 184 :
لو حصلت له مكاشفة بأن هذا المعين مغصوب أو نجس ، أو أن هذا الشاهد كاذب ،
أو أن المال لزيد ، وقد تحصل [ للحاكم ] بالحجة لعمرو ، أو ما أشبه ذلك ، فلا
يصح له العمل على وفق ذلك ما لم يتعين سبب ظاهر ، فلا يجوز له الانتقال إلى التيمم ،
ولا ترك قبول الشاهد ولا الشهادة بالمال لذي يد على حال ، فإن الظواهر قد تعين
فيها بحكم الشريعة أمر آخر ، فلا يتركها اعتمادا على مجرد المكاشفة أو الفراسة ،
كما لا يعتمد فيها على الرؤيا النومية ، ولو جاز ذلك لجاز نقض الأحكام بها وإن
ترتبت في الظاهر موجباتها ، وهذا غير صحيح بحال فكذا ما نحن فيه ، وقد جاء في
الصحيح : إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأحكم
له على نحو ما أسمع منه . الحديث . فقيد الحكم بمقتضى ما يسمع وترك ما وراء ذلك ،
وقد كان كثير من الأحكام التي تجري على يديه يطلع على أصلها وما فيها من حق
وباطل ، ولكنه عليه الصلاة والسلام لم يحكم إلا على وفق ما سمع ، لا على وفق
ما علم ( 1 ) وهو أصل في منع الحاكم أن يحكم بعلمه ، وقد ذهب مالك في القول المشهور
عنه : إن الحاكم إذا شهدت عنده العدول بأمر يعلم خلافه ، وجب عليه الحكم بشهادتهم
إذا لم يعلم تعمد الكذب ، لأنه إذا لم يحكم بشهادتهم كان حاكما بعلمه ، هذا مع كون
علم الحاكم مستفادا من العادات التي لا ريبة فيها لا من الخوارق التي تداخلها أمور ، والقائل
هامش
( 1 ) قال السيد محمد الخضر الحسين التونسي في تعليق الموافقات : لا يقضي عليه الصلاة
والسلام بمقتضى ما عرفه من طريق الباطن كما حكى القرآن عن الخضر عليه السلام حتى يكون للأمة في
أخذه بالظاهر أسوة حسنة . إلى أن قال : والحكم بالظاهر وإن لم يكن مطابقا للواقع ليس
بخطأ لأنه حكم بما أمر الله .