بصحة حكم الحاكم بعلمه فذلك بالنسبة إلى العلم المستفاد من العادات لا من الخوارق ،
ولذلك لم يعتبره رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الحجة العظمى . إلى أن قال : في ص 187 .
إن فتح هذا الباب يؤدي إلى أن لا يحفظ ترتيب الظواهر ، فإن من وجب
عليه القتل بسبب ظاهر فالعذر فيه ظاهر واضح ، ومن طلب قتله بغير سبب ظاهر
بل بمجرد أمر غيبي ربما شوش الخواطر وران على الظواهر ، وقد فهم من الشرع
سد هذا الباب جملة ، ألا ترى إلى باب الدعاوي المستند إلى أن البينة على المدعي
واليمين على من أنكر ، ولم يستثن من ذلك أحد حتى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتاج إلى
البينة في بعض ما أنكر فيه مما كان اشتراه فقال : من يشهد لي ؟ حتى شهد له
خزيمة بن ثابت فجعلها الله شهادتين . فما ظنك بآحاد الأمة ، فلو ادعى أكبر الناس
على أصلح الناس لكانت البينة على المدعي واليمين على من أنكر ، وهذا من ذلك
والنمط واحد ، فالاعتبارات الغيبية مهملة بحسب الأوامر والنواهي الشرعية .
وقال في ص 189 : فصل : إذا تقرر اعتبار ذلك الشرط فأين يسوغ العمل
على وفقها ؟ فالقول في ذلك أن الأمور الجائزات أو المطلوبات التي فيها سعة يجوز
العمل فيها بمقتضى ما تقدم وذلك على أوجه : أحدها أن يكون في أمر مباح كأن
يرى المكاشف أن فلانا يقصده في الوقت الفلاني أو يعرف ما قصد إليه في إتيانه من
موافقة أو مخالفة ، أو يطلع على ما في قلبه من حديث أو اعتقاد حق أو باطل وما
أشبه ذلك ، فيعمل على التهيئة له حسبما قصد إليه أو يتحفظ من مجيئه إن كان قصده
بشر ، فهذا من الجائز له كما لو رأى رؤيا تقتضي ذلك ، لكن لا يعامله إلا بما هو
مشروع كما تقدم .
الثاني : أن يكون العمل عليها لفائدة يرجو نجاحها ، فإن العاقل لا يدخل
على نفسه ما لعله يخاف عاقبته فقد يلحقه بسبب الالتفات إليها أو غيره ، والكرامة كما
إنها خصوصية كذلك هي فتنة واختبار لينظر كيف تعملون ، فإن عرضت حاجة
أو كان لذلك سبب يقتضيه فلا بأس . وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبر بالمغيبات للحاجة
إلى ذلك ، ومعلوم أنه عليه الصلاة والسلام لم يخبر بكل مغيب اطلع عليه ، بل
كان ذلك في بعض الأوقات وعلى مقتضى الحاجات ، وقد أخبر عليه الصلاة والسلام
الغدير — صفحة 55
مساهمون: الشيخ عبد الحسين الأميني (العلامة الأميني)
ص٥٥