وشراف ( 1 ) والقطقطانة ( 2 ) فما والى ذلك الصقع ، فوجهت إليه جندا كثيفا من المسلمين ( 3 ) فلما
بلغه ذلك فر هاربا فلحقوه ببعض الطريق وقد أمعن ، وكان ذلك حين طفلت الشمس
للإياب ، فتناوشوا القتال قليلا كلا ولا ، فلم يصبر لوقع المشرفية وولى هاربا ، وقتل
من أصحابه تسعة عشر رجلا ونجا جريضا بعد ما أخذ منه بالمخنق [ ولم يبق منه غير
الرمق ] فلأيا بلأي ما نجا .
هامش
1 - في مراصد الاطلاع : ( شراف بفتح أوله وآخره فاء وئانيه مخفف [ مبني
على الكسر ] ما بين واقصة والفرعاء فيها ثلاثة آبار كبار ، وقلب كثيرة طيبة ) وفي القاموس :
( شراف كقطام موضع أو ماءة لبني أسد أو جبل عال أو يصرف ككتاب ممنوعا ) وقال الزبيدي
في شرح العبارة ضمن ما قال : ( الموضع المشار إليه بين واقصة وفرعاء وبناؤه على الكسر
هو قول الأصمعي ، وأجراه غيره مجرى ما لا ينصرف من الأسماء ) .
2 - قد تقدم تفسيرها ( أنظر ص 422 ) .
3 - قال الرضي ( ره ) في باب المختار من الكتب من نهج البلاغة ( أنظر
ج 4 من شرح النهج لابن أبي الحديد ، ص 55 - 56 ) : ( ومن كتاب له عليه السلام إلى
أخيه عقيل بن أبي طالب في ذكر جيش أنفذه إلى بعض الأعداء وهو جواب كتاب كتبه إليه
عقيل : فسرحت إليه جيشا كثيفا من المسلمين ( فذكر مختارا من الكتاب بتقديم وتأخير
واختلاف في بعض الفقرات وزيادة في بعض الموارد فنورده هنا بعبارته وهو : ) فلما بلغه ذلك
شمر هاربا ونكص نادما ، فلحقوه ببعض الطريق وقد طفلت الشمس للإياب فاقتتلوا شيئا
كلا ولا ، فما كان إلا كموقف ساعة حتى نجا جريضا بعد ما أخذ منه بالمخنق ولم يبق منه غير
الرمق فلايأ بلأي مانجا ، فدع عنك قريشا وتركاضهم في الضلال وتجوالهم في الشقاق
وجماحهم في التيه فإنهم قد أجمعوا على حربي كإجماعهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وآله
قبلي ، فجزت قريشا عني الجوازي ، فقد قطعوا رحمي ، وسلبوني سلطان ابن أمي ، وأما ما
سألت عنه من رأيي في القتال فإن رأيي قتال المحلين حتى ألقى الله ، لا يزيدني كثرة الناس
حولي عزة ، ولا تفرقهم عني وحشة ، ولا تحسبن ابن أبيك ولو أسلمه الناس متضرعا متخشعا ،
ولا مقرا للضيم واهنا ، ولا سلس الزمام للقائد ، ولا وطيئ الظهر للراكب المقتعد ، ولكنه
كما قال أخو بني سليم : فإن تسأليني ( إلى آخر البيتين ) ) .
وقال العلامة المجلسي ( ره ) في ثامن البحار في باب ما جرى من الفتن ( ص 673 )
بعد نقل كتاب عقيل إلى أمير المؤمنين ( ع ) ونقل جواب أمير المؤمنين ( ع ) إليه ما نصه :
( أقول : روى السيد - رضي الله عنه - في النهج بعض هذا الكتاب هكذا : فسرحت
إليه جيشا ( فبعد أن نقل ما اختاره السيد ( ره ) إلى آخر البيتين قال ) :
بيان - قوله : فقع بقرقر لعله خبر أن ، وقوله ما الضحاك ، معترضة ، وقال
الجوهري : الفقع ضرب من الكمأة وكذلك الفقع بالكسر ، ويشبه به الرجل الذليل ،
فيقال : هو فقع قرقر ، لأن الدواب تنجله بأرجلها قال النابغة يهجو النعمان بن المنذر :
حدثوني بني الشقيقة ما يمنع فقعا بقرقر أن يزولا
وقال : القرقر القاع الأملس والفواق بالفتح والضم ما بين الحلبتين من الوقت ،
والتركاض والتجوال بفتح التاء فيهما مبالغتان في الركض والجولان والركض
تحريك الرجل ، وركضت الفرس برجلي حثثته ليعدو ثم كثر حتى قيل : ركض الفرس إذا
عدا ، والواو فيهما يشبه أن يكون بمعنى مع ، ويحتمل العاطفة ، واستعار لفظ الجماح
باعتبار كثرة خلافهم للحق وحركاتهم في تيه الجهل والخروج عن طريق العدل ، من قولهم : جمح
الفرس إذا اعتز راكبه وغلبه ، ويحتمل أن يكون من جمح بمعنى أسرع كما ذكره الجوهري ،
وقوله ( ع ) : فجزت قريشا عني الجوازي ، جمع جازية أي جزت قريشا عني بما صنعت
كل خصلة من نكبة أو شدة أو مصيبة أي جعل الله هذه الدواهي كلها جزاء قريش بما صنعت .
وقال ابن أبي الحديد : سلطان ابن أمي ، يعني به الخلافة ، وابن أمه رسول -
الله صلى الله عليه وآله لأنهما ابنا فاطمة بنت عمرو بن عمران بن مخزوم أم عبد الله وأبي طالب ،
ولم يقل : سلطان ابن أبي ، لأن غير أبي طالب من الأعمام يشركه في النسبة إلى عبد المطلب ،
وقال الراوندي : يعني نفسه لأنه ابن أم نفسه ، ولا يخفى ما فيه ، وقيل : لأن فاطمة
بنت أسد كانت تربي رسول الله ( ص ) حين كفله أبو طالب فهي كالأم له ، ويحتمل أن يكون -
المراد : سلطان أخي ، مجازا ومبالغة في تأكد الأخوة التي جرت بينه وبين النبي ( ص )
وإشارة إلى حديث المنزلة وقوله تعالى حكاية عن هارون : يا ابن أم إن القوم استضعفوني ،
وقد مر بعض ما يؤيد هذا الوجه ، وواقصة موضع بطريق الكوفة واسم مواضع أخرى ،
وشراف كقطام موضع ، أو ماء لبني أسد ، أو جبل عال ، وكغراب ماء ، والقطاقط
والقطقط والقطقطانة بضمها موضع الآصرة [ كذا ] بالكوفة كانت سجن النعمان بن المنذر ،
فما والى ذلك أي قاربه ، ويقال : أمعن الفرس أي تباعد في عدوه ، وقال الجوهري :
تطفيل الشمس ميلها للغروب والطفل بالتحريك بعد العصر إذا طفلت الشمس للغروب ،
والإياب الرجوع أي الرجوع إلى ما كانت عليه في الليلة التي قبلها وقال الجوهري :
آبت الشمس لغة في غابت ، وتفسير الراوندي بالزوال بعيد وقال الجوهري : المناوشة
في القتال وذلك إذا تدانى الفريقان ، والتناوش التناول ، قوله ( ع ) : شيئا كلا ولا
قال ابن أبي الحديد : أي شيئا قليلا كلا شئ ، وموضع كلا ولا نصب لأنه صفة شيئا
وهي كلمة يقال لما يستقصر جدا ، والمعروف عند أهل اللغة كلا وذا قال ابن هانئ المغربي :
وأسرع في العين من لحظة * وأقصر في السمع من لا وذا
وفي شعر الكميت كلا وذا ، وقد رويت في نهج البلاغة كذلك إلا أن في أكثر النسخ
كلا ولا ، ومن الناس من يرويها : كلا ولات ، وهي حرف أجرى مجرى ليس
ولا يجيئ إلا مع حين إلا أن يحذف في شعر ومن الرواة من يرويها : كلا ولأي ، ولأي فعل
معناه أبطأ ، وقال ابن ميثم : قوله : كلا ولا ، تشبيه بالقليل السريع الفناء وذلك لأن
لا ولا لفظان قصيران قليلان في المسموع واستشهد بقول ابن هانئ .
أقول : ويحتمل أن يكون المعنى شيئا كلا شئ وليس بلا شئ أو يكون العطف
للتأكيد ، والموقف هنا مصدر ، والمشرفية بالفتح سيوف نسبت إلى مشارف ، وهي
قرى من أرض العرب ، وفي النهاية : الجرض بالتحريك أن تبلغ الروح الحلق والإنسان
جريض وفي الصحاح : الجرض بالتحريك الريق يغص به يقال : جرض بريقه يجرض
مثال كبر يكبر وهو أن يبتلع ريقه على هم وحزن بالجهد ، والجريض الغصة ومات فلان
جريضا أي مغموما ، وقال : خنقه وأخنقه وخنقه وموضعه من العنق مخنق يقال : بلغ منه
المخنق وأخذت بمخنقه وخناقه أي حلقه وقال ابن ميثم : لايا مصدر والعامل محذوف
وما مصدرية في موضع الفاعل والتقدير فلايا لايا نجاؤه أي عسر وأبطأ وقوله : بلاي كلايا
لايا أي مقرونا بلاي أي شدة بعد شدة وقال الكيدري : ما زائدة وتقدير الكلام فنجا
لايا أي صاحب لأي أي في حال كونه صاحب جهد ومشقة متلبسة بمثلها أي نجا في حال تضاعف
الشدائد وقال الراوندي : نصب لايا على الظرف ، وتفيد ما الزائدة في الكلام إبهاما
أي بعد شدة وإبطاء نجا ، وقوله ( ع ) : قتال المحلين أي البغاة ، قال الجوهري :
أحل أي خرج إلى الحل أو من ميثاق كان عليه ومنه قول زهير : وكم بالقنان من محل ومحرم
وقال : أسلمه أي خذله ، قوله ( ع ) : ولا مقرا للضيم ، أي راضيا بالظلم صابرا عليه ،
والسلس السهل اللين المنقاد ، ولا وطيئ الظهر أي متهيئا للركوب ، ومقتعد البعير
راكبه ، والصليب الشديد ) .
أقول : في شرح ابن ميثم ( ره ) ما يقرب مما في هذا البيان .