وإذا رجعت زدت في مقاتلتنا عدة من هلك منا وفارقنا ، فإن ذلك أقوى لنا على عدونا
فأقبلت بكم حتى إذا أطللتم 1 على الكوفة أمرتكم أن تنزلوا بالنخيلة ، وأن تلزموا
معسكركم ، وأن تضموا قواضبكم 2 ، وأن توطنوا على الجهاد أنفسكم ، ولا تكثروا
زيارة أبنائكم ونسائكم ، فإن أصحاب الحرب المصابروها ، وأهل التشمير فيها الدين
لا ينوحون 3 من سهر ليلهم ولا ظمأ نهارهم ولا خمص بطونهم ولا نصب أبدانهم ، فنزلت
طائفة منكم معي معذرة 4 ، ودخلت طائفة منكم المصر عاصية ، فلا من بقي منكم
ثبت وصبر ، ولا من دخل المصر عاد إلى ورجع ، فنظرت إلى معسكري وليس فيه خمسون
رجلا ، فلما رأيت ما أتيتم دخلت إليكم فما قدرت على أن تخرجوا معي إلى يومنا هذا .
هامش
1 - في الأصل وفي البحار : " ظللتم " فكأنها مصحفة ومحرفة عن " أظللتم " .
2 - في الأصل والبحار : " قواصيكم " ( بالصاد المهملة والياء المنقطة بنقطتين من تحتها ) .
3 - كذا في الأصل بالنون من " ناح ينوح نوحا ونوحة " ولعل الصحيح " يبو خون "
بالباء الموحدة والخاء المعجمة ففي الصحاح : " عدا حتى باخ أي أعيا " وفي القاموس :
" باخ الرجل أعيا ، وباح اللحم بؤوخا تغير " فيكون المعنى لا يعيون ولا يفترون ، وفي
شرح النهج والبحار : " لا ينقادون " [ من الانقياد ] وعلي هذا أيضا لا يستقيم المعنى إلا بتجشم
وتكلف كما لا يخفى وأظن ظنا متاخما للعلم أن " ينقادون " في كتابيهما مصحفة ومحرفة عن
" يتفادون " بالفاء من " ف د ى " ففي الصحاح : " تفادى فلان من كذا إذا تحاماه وانزوى عنه
وقال : تفادى الأسود الغلب منه تفاديا " .
4 - في المصباح المنير : " عذر في الأمر تعذيرا إذا قصر ولم يجتهد " وفي
مجمع البحرين : " قوله تعالى ( آية 90 سورة التوبة ) أي المقصرون أي الذين يزعمون
أن لهم عذرا ولا لهم قال الجوهري : المعذرون من الاعراب يقرأ بالتخفيف والتشديد ،
أما المعذر بالتشديد فقد يكون محقا وقد يكون غير محق ، فأما المحق فهو في المعنى المعتذر
لأن له عذرا ولكن التاء قلبت ذالا وأدغمت فيها وجعلت حركتها على العين [ كما قرئ يخصمون
بفتح الخاء ، ويجوز كسر العين لاجتماع الساكنين ، ويجوز ضمها اتباعا للميم ] ، وأما المعذر
على جهة المفعل لأنه الممرض والمقصر يعتذر بغير عذر ، وكان ابن عباس يقرأ : جاء المعذرون ،
مخففة من : أعذر ، ويقول : والله لهكذا أنزلت ، وكان يقول : لعن الله المعذرين ، كأن الأمر
عنده أن المعذر بالتشديد هو المظهر للعذر اعتلالا من غير حقيقة له في العذر ، وهذا لا عذر له ،
والمعذر الذي له عذر وقد بينا الوجه الثاني في المشدد " .