قال - رضي الله عنه - :
فلا خلق أعلى من جماد وبعده
نبات على قدر يكون وأوزان
وذو الحسّ بعد النبت والكلّ عارف
بخلَّاقه كشفا وإيضاح برهان
وأمّا المسمّى آدما « 1 » فمقيّد
بعقل وفكر أو قلادة إيمان
بذا قال « 2 » سهل والمحقّق مثلنا
لأنّا وإيّاهم بمنزل إحسان
يريد - رضي الله عنه - : أنّ الكبش وإن نزل من كونه حيوانا على « 3 » درجة الإنسان الكامل ، وينقص في الدلالة والمعرفة والمظهرية عن الكامل ، ولكنّه أعلى من الإنسان الحيوان ، لكون الكبش عارفا بخلَّاقه كشفا وبالذات والحقيقة ، لا بالفكر والعقل كالإنسان الحيوان ، فإنّ معرفة العارف من الإنسان الحيوان معرفة نظرية استدلاليّة وقد لا تطابق الواقع في نفس الأمر ، لإمكان وقوع خلاف نظره واستدلاله في نظر ذي نظر واستدلال آخر من وجه آخر ، بخلافه دلالة الحيوان ومعرفته الذاتية الفطرية التي فطره الله عليها ، إذ لا خلاف في ذلك أصلا ، لكونه فطر عليه .
فإن قلت : وكذلك الإنسان ، فطره الله على معرفته .
قلنا : نعم ، ولكنّ الإنسان الحيوان غيّر معرفته الفطرية ، وما زج بها وخلطها بتصرّفات فكرية ، وحركات إراديّة نفسية ، ومعنى قوله - تعالى - : * ( فِطْرَتَ الله الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها ) * « 4 » . أنّ المعنيّ ب « الناس » الكمّل ، لا الإنسان الحيوان إلَّا من حيث ما أشار إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « كلّ مولود يولد على الفطرة - وبرواية - على فطرته ، فأبواه يهوّدانه ويمجّسانه وينصّرانه » الحديث .
وأعلى المخلوقات في هذا الكشف والمعرفة المعدن والجماد ، لكونه أبقى وأدوم على هذه المعرفة الذاتية الفطرية ، وليس فيه أصلا تغيّر عن جبلَّته الفطرية ما دام ذاته ،
هامش
« 1 » في بعض النسخ : آدم .
« 2 » سهل بن عبد اللَّه التستري - م 13 - .
« 3 » كذا . والأولى : عن .
« 4 » الروم ( 30 ) الآية 29 .