الحديث القدسي الذي يقول الله تعالى فيه : « ما وسعني أرضي ولا سمائي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن » . ولكن قلب أي عبد مؤمن ؟ يقول ابن عربي هو قلب العارف الذي يدور مع الحق أينما دار ، ويشاهده في كل تجلّ من تجلياته .
هو القلب الذي لا يشاهد سوى الحق .
ولكن القلب محجوب عادة عن الحق مشغول عنه بما سواه ، تتنازعه عوامل العقل والشهوة . ولذا كان مجال نضال دائم بين جنود الحق وجنود الشيطان ، يطلب كلٌ الظفر به لنفسه . وتتلخص حياة السالك في الطريق الصوفي في تدبير الوسائل التي يقهر بها شيطان النفس ويظفر بالحق .
وللقلب بابان تدخل المعرفة الإلهية من أحدهما ، وتدخل الأوهام إليه من الآخر . وهذا عالَمٌ وذلك عالم آخر كما يقول جلال الدين الرومي . فغاية الصوفي تخليص القلب من أثر الأوهام بطرد كل خاطر يتصل بما سوى الله .
وقد أنكر الصوفية على العقل القدرة على فهم الألوهية وأسرارها قائلين إن العقل مقيد بمنطقه في دائرة الأمور المحدودة المتناهية . أما الحق فلا حد له ولا نهاية . ومن ناحية أخرى يرى العقل الأمور على أكثر من وجه ، ويرى الشيء الواحد ونقيضه ، ويدافع عن كل منهما بحجج متكافئة في القوة والإقناع . ثم هو فوق ذلك يسدل على الحقائق ستاراً كثيفاً من الألفاظ ، بل لقد يعني بالألفاظ التي هي رموز الحقائق ويغفل عن الحقائق نفسها . وقد أفنى الفلاسفة أعمارهم في الاشتغال بألفاظ جوفاء لا طائل تحتها . أما الصوفية فينظرون إلى الحقائق ذاتها ثم يمسكون عن الحديث عنها - أو لا يجدون من الألفاظ ما يستطيعون به التعبير عما يشاهدونه .
( 2 ) اعلم إن القلب - أعني قلب العارف - هو من رحمة الله ، وهو أوسع منها ، فإنه وسع الحق جلّ جلاله » .
موضوع الكلام هنا هو قلب العارف لا القلب الإنساني إطلاقاً ، والعارف
فصوص الحكم — صفحة 140
مساهمون: ابن عربي
ص١٤٠