تختص الجمعة باستحضار أن يومها يوم عظيم وعيد شريف ، خص اللّه تعالى به هذه الأمة
وجعله وقتاً شريفاً لعبادته ، ليقربهم فيه من جواره ، ويبعدهم من طرده وناره ، وحثّهم
فيه على الاقبال بصالح الأعمال ، وتلافي ما فرط منهم في بقية الأسبوع من الاهمال ،
وجعل أهم ما يقع فيه من طاعته وما يوجب الزلفى والقرب إلى شريف حضرته صلاة الجمعة ،
وعبّر عنها في محكم كتابه العزيز الكريم بذكر اللّه الجسيم ، وخصها من بين سائر
الصلوات التي هي أفضل القربات بالذكر الخاص ، فقال سبحانه ( يا أيها الذي آمنوا إذا
نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر اللّه وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كمنتم
تعلمون ) ( 1 ) .
وفي هذه الآية الشريفة من التنبيهات والتأكيدات ما يتنبّه من له حظ من المعاني لا
يليق بسطه بهذه الرسالة ، ومن أهم رمزها هنا التعبير عن الصلاة بذكر اللّه ونبه بذلك
على أن الغرض الأقصى من الصلاة ليس هو مجرد الحركات والسكنات والركوع والسجود بل
ذكر اللّه بالقلب ، وإحضار عظمته بالبال ، فإن هذا وأشباهه هو السر في كون الصلاة
ناهية عن الفحشاء والمنكر في قوله تعالى ( إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ) إذا
كان سببهما القوة النزوعية إذا خرجت عن حكم العقل . وهذا كله إنما يتم مع التوجه
التام إلى اللّه تعالى ، وملاحظة جلاله الذي هو الذكر الأكبر الكثير ، على ما ورد في
بعض تفسيراته فضلاً عن أن يكون ذكراً مطلقاً وإذا كان الاستعداد بهذه المثابة - لا
جرم - وجب الاهتمام به زيادة على غيرها من الصلوات والتهيؤ والاستعداد للقاء اللّه
تعالى ، والوقوف بين يديه في الوقت الشريف والنوع الشريف من العبادات ، واحضر ببالك
أن لو أمرك ملك عظيم من ملوك الدنيا بالمثول في حضرته والفوز بمخاطبته في وقت معين
أما كنت متأهب له بتمام الاستعداد والتهيئة والسكينة والوقار والتنظيف والتطيب ،
وغير ذلك مما يليق بحال الملك ، ومن هنا جاء استحباب الغسل يوم الجمعة والتنظيف
والتطييب
هامش
( 1 ) الجمعة : 9 .