إذ قد يكون صاحب المال لا يحسن الاتّجار ، وقد لا يكون مال عند من يحسن الاتّجار ، فلأجل ذلك تتولّد الحاجة إلى معاملة عقلائيّة في البين ، فالمضاربة معاملة إمضائيّة وليست بتعبّديّة ، فيمكن أن نتمسّك بالإطلاق فيها .
ثانياً : إنّ مقتضى « النّاس مسلّطون على أموالهم » أنّ لصاحب المال أن يملّك النماء لغيره ، أو يجعل النماء غير تابع للأصل ; إذ هو مِلكه وتحت سلطنته ، فيستطيع أن يجعل النماء ملكاً لآخر ، كما في منافع الدار تجعل ملكاً لغير مالك الدار بالإجارة - مثلاً - مع أنّ منافع الدار معدومة تنوجد طوال عشر سنين - مثلاً - في عقد الإجارة ، وقد مُلّكت تلك المنافع المعدومة في ذلك الظرف .
ثالثاً : إنّ تمليك المعدوم ليس ممنوعاً مطلقاً ; إذ في ما ترتّبت عليه ثمرات
فلا بأس به .
وأمّا أقوال العامّة :
ففي المساقاة ذهبوا إلى أنّها من مخترعات الشارع وليست لها سابقة عقلائيّة عَقَدها النبيّ الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) مع يهود خيبر ; إذ لو بنى على كونها تأسيسّة فيقتصر على مقدار دلالة الأدلّة ، وإذا بنى على أنّها ماهيّة عقلائيّة إمضائيّة فلا بدّ من معرفة ماهيّتها عندهم .
ففي بداية المجتهد لابن رشد يذكر أنّه : « لا خلاف بين المسلمين في جوار القراض ( 1 ) ، وأنّه ممّا كان في الجاهليّة فأقرّه الإسلام ، وأجمعوا على أنّ صفته أن يعطي الرجل الرجل المال على أن يتّجر به على جزء معلوم يأخذه العامل من ربح المال ، أي جزء كان ممّا يتّفقان عليه ، ثلثاً أو ربعاً أو نصفاً ، وأنّ هذا مستثنى من الإجارة المجهولة ( 2 ) ، وأنّ الرخصة في ذلك إنّما هي لموضع الرفق بالناس ، وأنّه لا ضمان
هامش
( 1 ) القراض هي المضاربة ، من القرض بمعنى القطع ; لقطع المالك حصّة من ماله ودفعه إلى العامل ليتّجر به .
( 2 ) بعض من فسّر ماهيّة المضاربة قال إنّها إجارة ، غاية أمر في الإجارة العوض معيّن معلوم ، وأمّا في المضاربة فالعوض نسبة مجهولة ، مجهولة التحقّق والقدر .