والسرّ في ذلك أنّ الإجارة هي تمليك منفعة بعوض ، والمنفعة اشترطت فيها الماليّة الطبعيّة أو القانونيّة الفعليّة ، والبيع أيضاً تمليك العين بعوض ، واشترط في العين أن تكون لها الماليّة الفعليّة .
والجعالة تقع على كلّ واحد من تلك الأقسام ، والإقراض عمل ذو ماليّة من القسم الأخير ، فتقع عليه الجعالة ، ويندفع به الإشكال الكبروي .
وبعبارة اُخرى : أنّ العمل الذي تقع عليه الجعالة هل يجب أن يكون مالاً من القسم الأوّل أو الثاني فقط ، بحيث لو كان من القسم الثالث لا تقع عليه الجعالة ، أم لا ؟
الظاهر أنّه ليس يجب أن يكون منهما ، بل يجوز أن يكون من الثالث .
مثلاً : لو أراد شخص أن يتحوّل وينتقل شخص آخر من داره التي استأجرها وينتقل إلى مكان آخر ، لكي ينتفع هو نفسه بتلك الدار يجوز له أن يجعل جُعلاً للمستأجر ، بأن يتحوّل من البيت إلى مكان آخر مع أنّ التخلية والتحوّل ماليّتها من قبيل القسم الثالث نشأت من القانون وليست تضمن بدون التعاقد ( 1 ) .
ويدلّ على الجواز صحيحة محمّد بن مسلم ، قال : « سألت أبا عبد الله ( عليه السلام ) عن الرجل يرشو الرجل الرشوة على أن يتحوّل من منزله فيسكنه ؟ قال : لا بأس به » ( 2 ) .
هامش
( 1 ) إنّ كثيراً من المعاملات الواقعة في هذا العصر ليست ماليّتها من قبيل القسم الأوّل ولا الثاني ، ولذا توقّف كثير من الفقهاء في الفتوى بصحّتها ; لأنّهم لا يرون لها ماليّة من القسم الأوّل والثاني .
ولكن بالالتفات إلى أنّ الماليّة على ثلاثة أقسام تظهر ثمرة مهمّة ، وهي العثور على حلّ لطيف شرعي لتصحيح كثير من المعاملات العصريّة .
ولا نحتاج في ذلك - أي في وجود قسم ثالث للماليّة - إلى دليل شرعي ; لأنّ الماليّة - كما حرّر في البيع - ليست من مخترعات الشارع ، بل هي من الموضوعات المخترعة عقلائيّاً . غاية الأمر تكون موضوعاً لأحكام شرعيّة ، وليست بنفسها مجعولة شرعاً حتّى بجعل إمضائي ، وإنّما هي موضوعة من الموضوعات العقلائيّة التي تكون موضوعة للآثار الشرعيّة .
نعم ، يجب أن لا يكون الشيء منهيّاً عنه في الشرع ; لأنّ النهي يكون إعداماً لماليّته .
( 2 ) ب 85 / أبواب ما يكتسب به / ح 2 . رواه الشيخ في التهذيب بإسناده عن الحسين بن سعيد ، عن حمّاد بن عيسى ، عن حريز ، عن محمّد بن مسلم .