تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 99

مساهمون:

ص٩٩
عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيَّ فَقُلْت لَهُ الرَّجُلُ يَحْلِفُ بِالطَّلَاقِ ثَلَاثاً أَنْ لَا يَفْعَلَ شَيْئاً ، ثُمَّ يُرِيدُ أَنْ يَفْعَلَهُ . وَقُلْت لَهُ : إنَّ أَصْحَابَ الشَّافِعِيِّ يُفْتُونَ فِيهَا بِالْخُلْعِ ؛ يُخَالِعُ ثُمَّ يَفْعَلُ فَقَالَ الزُّبَيْرِيُّ مَا أَعْرِفُ هَذَا مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ، وَلَمَّا بَلَغَنِي أَنَّ لَهُ فِي هَذَا قَوْلاً مَعْرُوفاً ، وَلَا أَرَى مَنْ يَذْكُرُ هَذَا عَنْهُ إلَّا مُحِيلاً . وَقُلْت لَهُ الرَّجُلُ يَحْلِفُ بِأَيْمَانِ الْبَيْعَةِ ، فَيَحْنَثُ وَيَبْلُغُنِي أَنَّ قَوْماً يُفْتُونَهُمْ أَنْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، أَوْ كَفَّارَةَ يَمِينٍ ، فَجَعَلَ الزُّبَيْرِيُّ يَتَعَجَّبُ مِنْ هَذَا . وَقَالَ : أَمَّا هَذَا فَمَا بَلَغَنِي عَنْ عَالِمٍ وَلَا بَلَغَنِي فِيهِ قَوْلٌ وَلَا فَتْوَى . وَلَا سَمِعْت أَنَّ أَحَداً أَفْتَى فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِشَيْءٍ قَطُّ . قُلْت لِلزُّبَيْرِيِّ وَلَا عِنْدَك فِيهَا جَوَابٌ . فَقَالَ : إنْ أَلْزَمَ الْحَالِفُ نَفْسَهُ جَمِيعَ مَا فِي يَمِينِ الْبَيْعَةِ ، وَإِلَّا فَلَا أَقُولُ غَيْرَ هَذَا - قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ابْنُ بَطَّةَ . فَكَتَبْت هَذَا الْكَلَامَ مِنْ ظَهْرِ كِتَابِ أَبِي بَكْرٍ وَقَرَأْته عَلَيْهِ ، ثُمَّ قُلْت لَهُ : فَأَنْتَ إيشْ تَقُولُ يَا أَبَا بَكْرٍ ؟ فَقَالَ : هَكَذَا أَقُولُ ، وَإِلَّا فَالسُّكُوتُ عَنْ الْجَوَابِ أَسْلَمُ لِمَنْ أَرَادَ السَّلَامَةَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . ذَكَرَ هَذَا الْإِمَامُ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ ابْنُ بَطَّةَ فِي جُزْءٍ صَنَّفَهُ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ يُفْتِي بِخُلْعِ الْيَمِينِ وَذَكَرَ الْآثَارَ فِيهِ عَنْ السَّلَفِ بِالرَّدِّ لَهُ وَأَنَّهُ مُحْدَثٌ فِي الْإِسْلَامِ : وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ مِنْ قُدَمَاءِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي خُلْعِ الْيَمِينِ فَكَيْفَ أَنْ يَهَبَهُ شَيْئاً لِيَقِفَهُ عَلَيْهِ وَأَمْثَالُهَا . وَالطَّرِيقُ الثَّانِي : أَنْ يَتَقَلَّدَ قَوْلَ مَنْ يُصَحِّحُ وَقْفَ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ كَمَا هُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ وَقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَغَيْرِهِمَا . وَهُوَ مُتَوَجَّهٌ . فَإِنَّ حُجَّةَ الْمَانِعِ امْتِنَاعُ كَوْنِ الْإِنْسَانِ مُعْطِياً مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ ، وَهَذَا لَمْ يَصِحَّ أَنْ يَبِيعَ نَفْسَهُ وَلَا يَهَبَ نَفْسَهُ . فَيُقَالُ الْوَاقِفُ شَبِيهُ الْعِتْقِ وَالتَّحْرِيرِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَمْتَنِعُ نَقْلُ الْمِلْكِ فِي رَقَبَتِهِ . وَأَشْبَهُ شَيْءٍ بِهِ أُمُّ الْوَلَدِ ، وَهَذَا مَأْخَذُ مَنْ يَقُولُ : إنَّ رَقَبَةَ الْوَقْفِ يَنْتَقِلُ مِلْكُهَا إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ ، وَلِهَذَا قَالَ مَنْ قَالَ : إنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ إلَى قَبُولٍ . وَإِذَا كَانَ مِثْلَ التَّحْرِيرِ لَمْ يَكُنْ مُمَلِّكاً لِنَفْسِهِ ، بَلْ يَكُونُ مُخْرِجاً لِلْمِلْكِ عَنْ نَفْسِهِ وَمَانِعاً لِنَفْسِهِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي رَقَبَتِهِ مَعَ الِانْتِفَاعِ بِالْمَنْفَعَةِ فَيُشْبِهُ الِاسْتِيلَاءَ ، وَلَوْ قِيلَ : إنَّ رَقَبَةَ الْوَقْفِ تَنْتَقِلُ إلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ