تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 98

مساهمون:

ص٩٨
بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ تَلَقَّوْهَا عَنْ الْمَشْرِقِيِّينَ ، نَعَمْ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُجْرِي الْعُقُودَ عَلَى ظَاهِرِ الْأَمْرِ بِهَا مِنْ غَيْرِ سُؤَالِ الْمُعَاقِدِ عَنْ مَقْصُودِهِ . كَمَا يُجْرِي أَمْرَ مَنْ ظَهَرَتْ زَنْدَقَتُهُ ، ثُمَّ أَظْهَرَ التَّوْبَةَ عَلَى ظَاهِرِ قَبُولِ التَّوْبَةِ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ اسْتِدْلَالٍ عَلَى بَاطِنِهِ . وَكَمَا يُجْرِي كِنَايَاتِ الْقَذْفِ وَكِنَايَاتِ الطَّلَاقِ عَلَى مَا يَقُولُ الْمُتَكَلِّمُ إنَّهُ مَقْصُودُهُ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارٍ بِدَلَالَةِ الْحَالِ ، وَرُبَّمَا أُخِذَ مِنْ كَلَامِهِ عَدَمُ تَأْثِيرِ الْعَقْدِ فِي الظَّاهِرِ بِمَا يَسْبِقُهُ مِنْ الْمُوَاطَأَةِ وَعَدَمِ فَسَادِهِ بِمَا يُقَارِنُهُ مِنْ النِّيَّاتِ عَلَى خِلَافِهِ عَنْهُ فِي هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ ، أَمَّا إنَّ الشَّافِعِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَوْ مَنْ هُوَ دُونَهُ يَأْمُرُ النَّاسَ بِالْكَذِبِ وَالْخِدَاعِ بِمَا لَا حَقِيقَةَ لَهُ . وَبِشَيْءٍ يُتَيَقَّنُ بِأَنَّ بَاطِنَهُ خِلَافُ ظَاهِرِهِ فَمَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْكَى هَذَا عَنْ مِثْلِ هَؤُلَاءِ . فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ فِي كُتُبِهِمْ ، وَإِنَّمَا غَايَتُهُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ قَاعِدَتِهِمْ . فَرُبَّ قَاعِدَةٍ لَوْ عَلِمَ صَاحِبُهَا مَا تُفْضِي إلَيْهِ لَمْ يَقُلْهَا . فَمِنْ رِعَايَةِ حَقِّ الْأَئِمَّةِ أَنْ لَا يُحْكَى هَذَا عَنْهُمْ - وَلَوْ رُوِيَ عَنْهُمْ - لِفَرْطِ قُبْحِهِ ، وَلِهَذَا كَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَكْرَهُ أَنْ يَحْكِيَ عَنْ الْكُوفِيِّينَ وَالْمَدَنِيِّينَ وَالْمَكِّيِّينَ الْمَسَائِلَ الْمُسْتَقْبَحَةَ . مِثْلَ مَسْأَلَةِ النَّبِيذِ . وَالصَّرْفِ . وَالْمُتْعَةِ . وَفَحَّاشِ النِّسَاءِ . إذَا حُكِيَتْ لِمَنْ يَخَافُ أَنْ يُقَلِّدَهُمْ فِيهَا . أَوْ يَنْتَقِصَهُمْ بِسَبَبِهَا ، وَفَرْقٌ بَيْنَ أَنْ آمُرَ بِشَيْءٍ . أَوْ أَفْعَلَهُ ، وَبَيْنَ أَنْ أَقْبَلَ مِنْ غَيْرِي ظَاهِرَهُ . وَقَدْ كَانَ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ مَنْ يُنْكِرُونَ عَلَى مَنْ يُحْكَى عَنْهُ الْإِفْتَاءُ بِالْحِيَلِ . مِثْلُ مَا قَالَهُ الْإِمَامُ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ ابْنُ بَطَّةَ سَأَلْت أَبَا بَكْرٍ الْآجُرِّيَّ - وَأَنَا وَهُوَ فِي مَنْزِلِهِ فِي مَكَّةَ - عَنْ هَذَا الْخُلْعِ الَّذِي يُفْتَى بِهِ النَّاسُ - وَهُوَ أَنْ يَحْلِفَ رَجُلٌ أَنْ لَا يَفْعَلَ شَيْئاً لَا بُدَّ لَهُ مِنْ فِعْلِهِ ، فَيُقَالَ لَهُ : اخْلَعْ زَوْجَتَك ، وَافْعَلْ مَا حَلَفْت عَلَيْهِ ، ثُمَّ رَاجِعْهَا - ، وَالْيَمِينِ بِالطَّلَاقِ ثَلَاثاً . وَقُلْت : إنَّ قَوْماً يُفْتُونَ الرَّجُلَ الَّذِي يَحْلِفُ بِأَيْمَانِ الْبَيْعِ وَيَحْنَثُ أَنْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَيَذْكُرُونَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ لَمْ يَرَ عَلَى مَنْ حَلَفَ بِيَمِينِ الْبَيْعَةِ شَيْئاً . فَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ يَعْجَبُ سُؤَالِي عَنْ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ . ثُمَّ قَالَ لِي : اعْلَمْ مُنْذُ كَتَبْت الْعِلْمَ وَجَلَسْت لِلْكَلَامِ فِيهِ ، وَالْفَتْوَى مَا أَفْتَيْت فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ بِحَرْفٍ وَلَقَدْ سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيَّ الضَّرِيرَ عَنْ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ ، كَمَا سَأَلْتنِي عَنْ التَّعَجُّبِ مِمَّنْ يُقْدِمُ عَلَى الْفَتْوَى فِيهِمَا . فَأَجَابَنِي بِجَوَابٍ كَتَبْته عَنْهُ ، ثُمَّ قَامَ فَأَخْرَجَ لِي كِتَابَ أَحْكَامِ الرَّجْعَةِ وَالنُّشُوزِ مِنْ كِتَابِ الشَّافِعِيِّ ، وَإِذَا مَكْتُوبٌ عَلَى ظَهْرِهِ بِخَطِّ أَبِي بَكْرٍ سَأَلْت أَبَا
الفتاوى الكبرى — صفحة 98 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا