تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 82

مساهمون:

ص٨٢
يُطَلِّقُهَا ، وَكَانَتْ رَاغِبَةً فِي رِفَاعَةَ ، فَلَوْ كَانَ التَّحْلِيلُ مُمْكِناً لَكَانَ أَنْصَحُ الْأُمَّةِ لَهَا يَأْمُرُهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ بِمُحَلِّلٍ ، فَإِنَّهَا لَنْ تَعْدَمَ أَنْ تُبَيِّتَهُ عِنْدَهَا لَيْلَةً وَتُعْطِيَ شَيْئاً ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ عَلِمَ كُلُّ عَاقِلٍ أَنَّ هَذَا لَا سَبِيلَ إلَيْهِ وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ ذِكْرُ قِصَّتِهَا . وَمَنْ لَمْ تَسَعْهُ السُّنَّةُ حَتَّى تَعَدَّاهَا إلَى الْبِدْعَةِ مَرَقَ مِنْ الدِّينِ وَمَنْ أَطْلَقَ لِلنَّاسِ مَا لَمْ يُطْلِقْهُ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ وُجُودِ الْمُقْتَضِي لِلْإِطْلَاقِ ، فَقَدْ جَاءَ بِشَرِيعَةٍ ثَانِيَةٍ وَلَمْ يَكُنْ مُتَّبِعاً لِلرَّسُولِ ، فَلْيَنْظُرْ امْرُؤٌ أَيْنَ يَضَعُ قَدَمَهُ ، وَكَذَلِكَ يُعْلَمُ أَنَّ الْقَوْمَ كَانَتْ التِّجَارَةُ فِيهِمْ فَاشِيَةً وَالرِّبْحُ مَطْلُوبٌ بِكُلِّ طَرِيقٍ ، فَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْمُعَامَلَاتُ الَّتِي تَقْصِدُ بِهَا مَا يُقْصَدُ مِنْ رِبْحِ دَرَاهِمَ فِي دَرَاهِمَ بِاسْمِ الْبَيْعِ جَائِزٌ ، وَلَا شَكَّ أَنْ يُفْتُوا بِهَا ، وَكَذَلِكَ الِاخْتِلَاعُ لِحِلِّ الْيَمِينِ وَبِالْجُمْلَةِ الْأَسْبَابُ الْمُحْوِجَةُ إلَى هَذِهِ الْحِيَلِ مَا زَالَتْ مَوْجُودَةً ، فَلَوْ كَانَتْ مَشْرُوعَةً لَنَبَّهَ الصَّحَابَةُ عَلَيْهَا فَلَمَّا لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُمْ إلَّا الْإِنْكَارُ بِحَقِيقَتِهَا مَعَ وُجُودِ الْحَاجَةِ فِي زَعْمِ أَصْحَابِهَا إلَيْهَا ، عُلِمَ قَطْعاً أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الدِّينِ ، وَهَذَا قَاطِعٌ لَا خَفَاءَ بِهِ لِمَنْ نَوَّرَ اللَّهُ قَلْبَهُ . الْوَجْهُ الثَّالِثُ : أَنَّ هَذِهِ الْحِيَلَ ، أَوْ مَا ظَهَرَ الْإِفْتَاءُ بِهَا فِي أَوَاخِرِ عَصْرِ التَّابِعِينَ أَنْكَرَ ذَلِكَ عُلَمَاءُ ذَلِكَ الزَّمَانِ ، مِثْلُ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ ، وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، وَيَزِيدَ بْنِ هَارُونَ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ وَالْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ ، وَمِثْلُ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مَعْنٍ ، وَحَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ قُضَاةِ الْكُوفَةِ . وَتَكَلَّمَ عُلَمَاءُ ذَلِكَ الْعَصْرِ مِثْلُ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ ، وَابْنِ عَوْنٍ ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ ، وَالسُّفْيَانَيْنِ ، وَالْحَمَّادَيْنِ ، وَمَالِكٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَمَنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ فِي الدِّينِ ، وَتَوَسَّعُوا فِيهَا مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَغَيْرِهِمْ بِكَلَامٍ غَلِيظٍ لَا يُقَالُ مِثْلُهُ إلَّا عِنْدَ ظُهُورِ بِدْعَةٍ لَا تُعْرَفُ دُونَ مَنْ أَفْتَى بِمَا كَانَ مِنْ الصَّحَابَةِ تُفْتِي بِهِ ، أَوْ بِحَقٍّ مِنْهُ وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَؤُلَاءِ ، وَأَمْثَالَهُمْ هُمْ سُرُجُ الْإِسْلَامِ ، وَمَصَابِيحُ الْهُدَى ، وَأَعْلَامُ الدِّينِ ، وَهُمْ كَانُوا أَعْلَمَ أَهْلِ وَقْتِهِمْ ، وَأَعْلَمَ مِمَّنْ بَعْدَهُمْ بِالسُّنَّةِ الْمَاضِيَةِ وَأَفْقَهَ فِي الدِّينِ ، وَأَرْوَعَ فِي الْمَنْطِقِ ، وَقَدْ كَانُوا يَخْتَلِفُونَ فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ ، وَيَقُولُونَ بِاجْتِهَادِ الرَّأْيِ ، وَلَا يُنْكِرُونَ عَلَى مَنْ سَلَكَ هَذِهِ السَّبِيلَ . فَلَمَّا اشْتَدَّ نَكِيرُهُمْ عَلَى أَهْلِ الرَّأْيِ الَّذِي اسْتَحَلُّوا بِهِ الْحِيَلَ عُلِمَ أَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّ