تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 593

مساهمون:

ص٥٩٣
خَلَقَهَا وَأَظْهَرَ بِهَا الْمَعْنَى الْقَدِيمَ وَدَلَّ بِهَا عَلَيْهِ ، فَاسْتَحَقَّتْ الْإِكْرَامَ وَالتَّحْرِيمَ لِذَلِكَ ، حَيْثُ يَدْخُلُ فِي حُكْمِهِ بِحَيْثُ لَا يُفْصَلُ بَيْنَهُمَا ، أَوْ يُفْصَلُ بِأَنْ يُقَالَ : هَذَا مُظْهَرٌ هَذَا دَلِيلُهُ ، وَجَعَلُوا مَا لَيْسَ هُوَ كَلَامَ اللَّهِ وَلَا تَكَلَّمَ اللَّهُ بِهِ قَطُّ كَلَاماً لِلَّهِ مُعَظَّماً تَعْظِيمَ كَلَامِ اللَّهِ ، كَمَا جَعَلَتْ النَّصَارَى النَّاسُوتَ الَّذِي لَيْسَ هُوَ بِإِلَهٍ قَطُّ ، وَلَا هُوَ الْكَلِمَةُ إلَهاً وَكَلِمَةً ، وَعَظَّمُوهُ تَعْظِيمَ الْإِلَهِ الَّذِي هُوَ كَلِمَةُ اللَّهِ عِنْدَهُمْ . وَمِنْهَا : أَنَّ النَّصَارَى عَلَى مَا حَكَى عَنْهُمْ الْمُتَكَلِّمُونَ كَابْنِ الْبَاقِلَّانِيِّ أَوْ غَيْرِهِ يَنْفُونَ الصِّفَاتِ وَيَقُولُونَ : إنَّ الْأَقَانِيمَ الَّتِي هِيَ الْوُجُودُ وَالْحَيَاةُ وَالْعِلْمُ ، هِيَ خَوَاصُّ ، هِيَ صِفَاتٌ نَفْسِيَّةٌ لِلْجَوْهَرِ ، لَيْسَتْ صِفَاتٍ زَائِدَةً عَلَى الذَّاتِ ، وَيَقُولُونَ : إنَّ الْكَلِمَةَ هِيَ الْعِلْمُ ، لَيْسَتْ هِيَ كَلَامَ اللَّهِ ، فَإِنَّ كَلَامَهُ صِفَةُ فِعْلٍ ، وَهُوَ مَخْلُوقٌ ، فَقَوْلُهُمْ فِي هَذَا كَقَوْلِ نُفَاةِ الصِّفَاتِ مِنْ الْجَهْمِيَّةِ ، الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ ، وَهَذَا يَكُونُ قَوْلَ بَعْضِهِمْ مِمَّنْ خَاطَبَهُمْ مُتَكَلِّمُو الْجَهْمِيَّةِ مِنْ النَّسْطُورِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ ، وَمِمَّنْ تَفَلْسَفَ مِنْهُمْ عَلَى مَذْهَبِ نُفَاةِ الصِّفَاتِ مِنْ الْمُتَفَلْسِفَةِ ، وَنَحْوِ هَؤُلَاءِ ، وَإِلَّا فَلَا رَيْبَ أَنَّ فِي النَّصَارَى مُثَبِّتَةً لِلصِّفَاتِ ، بَلْ غَالِيَةً فِي ذَلِكَ ، كَمَا أَنَّ الْيَهُودَ أَيْضاً فِيهِمْ الْمُثْبِتَةُ وَالنَّفَّاة . وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ تَسْمِيَتَهُمْ لِلْعِلْمِ كَلِمَةً دُونَ الْكَلَامِ الَّذِي هُوَ الْكَلَامُ ، ثُمَّ ذَلِكَ الْعِلْمُ لَيْسَ هُوَ أَمْراً مَعْقُولاً ، كَمَا تُعْقَلُ الصِّفَاتُ الْقَائِمَةُ بِالْمَوْصُوفِ ، ضَاهَاهُمْ فِي ذَلِكَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَقُولُونَ : الْكَلَامُ هُوَ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْقَائِمُ بِالنَّفْسِ دُونَ الْكَلَامِ الَّذِي هُوَ الْكَلَامُ ، ثُمَّ ذَلِكَ الْمَعْنَى لَيْسَ هُوَ الْمَعْقُولَ مِنْ مَعَانِي الْكَلَامِ ، فَحَرَّفُوا اسْمَ الْكَلَامِ وَمَعْنَاهُ ، كَمَا حَرَّفَتْ النَّصَارَى اسْمَ الْكَلِمَةِ وَمَعْنَاهَا ، وَهَذَا الْكَلَامُ ذَكَرْته مِنْ مُضَاهَاةِ هَؤُلَاءِ النَّصَارَى مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ . [ وَقَدْ ] رَأَيْت بَعْدَ ذَلِكَ النَّاسَ قَدْ نَبَّهُوا عَلَى ذَلِكَ ، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الزَّاغُونِيِّ : فِي مَسْأَلَةِ وَحْدَةِ الْكَلَامِ دَلِيلٌ آخَرُ ، يُقَالُ لَهُمْ : مَا الْفَرْقُ بَيْنَكُمْ فِي قَوْلِكُمْ إنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ اثْنَانِ وَهُمَا وَاحِدٌ ، وَالْقَوْلُ بِذَلِكَ قَوْلٌ صَحِيحٌ غَيْرُ مُنَافٍ لِلصِّحَّةِ وَالْإِمْكَانِ ، وَبَيْنَ مَنْ قَالَ : إنَّ الْكَلِمَةَ وَالنَّاسُوتَ وَاللَّاهُوتَ ثَلَاثَةٌ وَاحِدٌ ، فَإِنَّ هَذَا مِمَّا اتَّفَقْنَا عَلَى قُبْحِهِ شَرْعاً وَعَقْلاً ، مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْكَلِمَةَ غَيْرُ النَّاسُوتِ وَاللَّاهُوتِ ، وَكَذَلِكَ الْآخَرَانِ صِفَةٌ وَمَعْنًى ، كَمَا أَنَّ الْأَمْرَ يُخَالِفُ النَّهْيَ صِفَةً وَمَعْنًى ؟ قَالَ : وَهَذَا مِمَّا لَا مَحِيدَ لَهُمْ عَنْهُ ، وَلَا انْفِصَالَ لَهُمْ مِنْهُ إلَّا بِزَخَارِفَ عَاطِلَةٍ عَنْ صِحَّةٍ لَا يَصْلُحُ مِثْلُهَا أَنْ يَكُونَ شُبْهَةً تُوقَفُ مَعَهَا .