تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 590

مساهمون:

ص٥٩٠
وَهَذَا يَتَضَمَّنُ جَمِيعَ كُفْرِ النَّصَارَى ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ : الْإِلَهُ جَوْهَرٌ وَاحِدٌ لَهُ ثَلَاثُ أَقَانِيمَ ، وَهَذِهِ الْأَقَانِيمُ يَجْعَلُونَهَا تَارَةً جَوَاهِرَ وَأَشْخَاصاً ، وَتَارَةً صِفَاتٍ وَخَوَاصّاً ، فَيَقُولُونَ : الْوُجُودُ الَّذِي هُوَ الْأَبُ ، وَالِابْنُ الَّذِي هُوَ الْعِلْمُ ، وَرُوحُ الْقُدُسِ الَّتِي هِيَ الْحَيَاةُ عِنْدَ مُتَقَدِّمِيهِمْ ، وَالْقُدْرَةُ عِنْدَ مُتَأَخِّرِيهِمْ . فَيَقُولُونَ مَوْجُودٌ حَيٌّ عَالِمٌ نَاطِقٌ أَوْ مَوْجُودٌ عَالِمٌ قَادِرٌ . لَكِنْ يَقُولُونَ أَيْضاً إنَّ الْكَلِمَةَ الَّتِي هِيَ الِابْنُ جَوْهَرٌ ، وَرُوحُ الْقُدُسِ أَيْضاً جَوْهَرٌ ، وَأَنَّ الْمُتَّحِدَ بِالْمَسِيحِ هُوَ جَوْهَرُ الْكَلِمَةِ دُونَ جَوْهَرِ الْأَبِ وَرُوحِ الْقُدُسِ وَهَذَا مِمَّا لَا نِزَاعَ بَيْنَهُمْ فِيهِ . وَمِنْ هُنَا قَالُوا كُلُّهُمْ الْمَسِيحُ هُوَ اللَّهُ ، وَقَالُوا كُلُّهُمْ هُوَ ابْنُ اللَّهِ ، لِأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْأَبَ وَالِابْنَ وَرُوحَ الْقُدُسِ إلَهٌ وَاحِدٌ وَجَوْهَرٌ وَاحِدٌ وَقَدْ اتَّحَدَ بِالْمَسِيحِ كَانَ الْمَسِيحُ هُوَ اللَّهُ ، وَمِنْ حَيْثُ إنَّ الْأَبَ جَوْهَرٌ وَالِابْنُ جَوْهَرٌ وَرُوحُ الْقُدُسِ جَوْهَرٌ وَاَلَّذِي اتَّحَدَ بِهِ هُوَ جَوْهَرُ الِابْنِ الَّذِي هُوَ الْكَلِمَةُ ، كَانَ الْمَسِيحُ هُوَ ابْنَ اللَّهِ عِنْدَهُمْ . وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ - وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا مُتَضَمِّناً لِكُفْرِهِمْ كَمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ - فَإِنَّهُمَا مُتَنَاقِضَانِ ، إذْ كَوْنُهُ هُوَ يُنَاقِضُ كَوْنَهُ ابْنَهُ ، لَكِنْ النَّصَارَى يَقُولُونَ هَذَا كُلُّهُمْ ، وَيَقُولُونَ هَذَا كُلُّهُمْ ، كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهُمْ ، وَلِهَذَا كَانَ قَوْلُهُمْ مَعْلُومَ التَّنَاقُضِ فِي بَدِيهَةِ الْعُقُولِ ، عِنْدَ كُلِّ مَنْ تَصَوَّرَهُ ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأَقَانِيمَ إذَا كَانَتْ صِفَاتٍ أَوْ خَوَّاصاً وَقُدِّرَ أَنَّ الْمَوْصُوفَ لَهُ بِكُلِّ صِفَةٍ اسْمٌ كَمَا مَثَّلُوهُ بِقَوْلِهِمْ " زَيْدٌ الطَّبِيبُ " " وَزَيْدٌ الْحَاسِبُ " " وَزَيْدٌ الْكَاتِبُ " لَكِنْ لَا يُمْكِنُ أَنَّ بَعْضَ هَذِهِ الصِّفَاتِ يَتَّحِدُ بِشَيْءٍ دُونَ الْجَوْهَرِ ، وَلَا أَنَّ بَعْضَ هَذِهِ الصِّفَاتِ يُفَارِقُ بَعْضاً فَلَا يُتَصَوَّرُ مُفَارَقَةُ بَعْضِهَا بَعْضاً وَلَا مُفَارَقَةُ شَيْءٍ مِنْهَا لِلْمَوْصُوفِ حَتَّى يُقَالَ الْمُتَّحِدُ بِالْمَسِيحِ بَعْضُ هَذِهِ الصِّفَاتِ ، وَهُمْ لَا يَقُولُونَ ذَلِكَ أَيْضاً بَلْ هُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْمُتَّحَدَ بِهِ جَوْهَرٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَوْهَرٌ إلَّا جَوْهَرَ الْأَبِ كَانَ جَوْهَرُ الْأَبِ هُوَ الْمُتَّحِدَ ، وَإِنْ كَانَ جَوْهَرُ الِابْنِ غَيْرَهُ فَهُمَا جَوْهَرَانِ مُنْفَصِلَانِ وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِذَلِكَ . وَالْمَوْصُوفُ أَيْضاً لَا يُفَارِقُ صِفَاتِهِ ، كَمَا لَا تُفَارِقُهُ ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : اتَّحَدَ الْجَوْهَرُ بِالْمَسِيحِ بِأُقْنُومِ الْعِلْمِ دُونَ الْحَيَاةِ ، إذْ الْعِلْمُ وَالْحَيَاةُ لَازِمَانِ لِلذَّاتِ ، لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ تُفَارِقَهُمَا الذَّاتُ وَلَا يُفَارِقَهُمَا وَاحِدٌ مِنْهُمَا ، وَمِنْ هُنَا قِيلَ : النَّصَارَى غَلِطُوا فِي أَوَّلِ مَسْأَلَةٍ مِنْ الْحِسَابِ الَّذِي يَعْلَمُهُ كُلُّ أَحَدٍ ، ، وَهُوَ قَوْلُهُمْ الْوَاحِدُ ثَلَاثَةٌ .