تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 592

مساهمون:

ص٥٩٢
نَزَلَ فَكَانَ خَبَراً لَمْ يَكُنْ أَمْراً ؛ فَإِنَّهُ إذَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ فَكَانَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ وَهِيَ خَبَرٌ لَمْ يَكُنْ آيَةَ الدَّيْنِ الَّتِي هِيَ أَمْرٌ ، وَهَذَا لَعَلَّهُ مِنْ أَعْظَمِ الْمُضَاهَاةِ كَقَوْلِ النَّصَارَى : إنَّ الْجَوْهَرَ الْوَاحِدَ الَّذِي هُوَ ثَلَاثَةُ جَوَاهِرَ ثَلَاثَةُ أَقَانِيمَ ، وَإِذَا اتَّحَدَ فَإِنَّمَا يَكُونُ كَلِمَةً وَابْناً لَا يَكُونُ أَباً وَلَا رُوحَ قُدُسٍ ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ كَمَا جَعَلُوا الشَّيْءَ الَّذِي هُوَ وَاحِدٌ يَتَّحِدُ وَلَا يَتَّحِدُ مَا يَتَّحِدُ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ كَلِمَةً ، وَلَا يَتَّحِدُ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ وُجُوداً ، أَجَعَلَ أُولَئِكَ الَّذِي هُوَ كَلَامٌ وَاحِدٌ يَنْزِلُ وَلَا يَنْزِلُ ، يَنْزِلُ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ أَمْراً ، وَلَا يَنْزِلُ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ خَبَراً . وَأَيْضاً فَإِنَّهُمْ ضَاهَوْا النَّصَارَى فِي تَحْرِيفِ مُسَمَّى الْكَلِمَةِ وَالْكَلَامِ . فَإِنَّ الْمَسِيحَ سُمِّيَ كَلِمَةَ اللَّهِ لِأَنَّ اللَّهَ خَلَقَهُ بِكَلِمَتِهِ : { كُنْ فَيَكُونُ } ، كَمَا يُسَمَّى مُتَعَلِّقُ الصِّفَاتِ بِأَسْمَائِهَا فَيُسَمَّى الْمَقْدُورُ قُدْرَةً ، وَالْمَعْلُومُ عِلْماً ، وَمَا يُرْحَمُ بِهِ رَحْمَةً ، وَالْمَأْمُورُ بِهِ أَمْراً وَهَذَا كَثِيرٌ قَدْ بَسَطْنَاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ، لَكِنْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ نَادِرَةٌ يَجْعَلُونَهَا صِفَةً لِلَّهِ ، وَيَقُولُونَ هِيَ الْعِلْمُ ، وَتَارَةً يَجْعَلُونَهَا جَوْهَراً قَائِماً بِنَفْسِهِ ، وَهِيَ الْمُتَّحِدُ بِالْمَسِيحِ ، وَهَؤُلَاءِ حَرَّفُوا مُسَمَّى الْكَلِمَةِ فَزَعَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ إلَّا مُجَرَّدَ الْمَعْنَى ، وَأَنَّ ذَلِكَ الْمَعْنَى لَيْسَ هُوَ الْعِلْمَ وَلَا الْإِرَادَةَ ، وَلَا هُوَ مِنْ جِنْسِ ذَلِكَ ، وَلَكِنْ هُوَ شَيْءٌ وَاحِدٌ ، وَهُوَ حَقَائِقُ مُخْتَلِفَةٌ ، لَكِنْ لَيْسَ فِي غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَقُولُ الْكَلَامُ جَوْهَرٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ ؛ إلَّا مَا يُذْكَرُ عَنْ النَّظَّامِ أَنَّهُ قَالَ : الْكَلَامُ الَّذِي هُوَ الصَّوْتُ جِسْمٌ مِنْ الْأَجْسَامِ . وَأَيْضاً فَهُمْ فِي لَفْظِ الْقُرْآنِ الَّذِي هُوَ حُرُوفُهُ وَاشْتِمَالُهُ عَلَى الْمَعْنَى لَهُمْ مُضَاهَاةٌ قَوِيَّةٌ بِالنَّصَارَى فِي جَسَدِ الْمَسِيحِ الَّذِي هُوَ مُتَدَرِّعٌ لِلَّاهُوتٍ ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ حُرُوفَ الْقُرْآنِ لَيْسَتْ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ بَلْ هِيَ مَخْلُوقَةٌ ، كَمَا أَنَّ النَّصَارَى مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ جَسَدَ الْمَسِيحِ لَمْ يَكُنْ مِنْ اللَّاهُوتِ بَلْ هُوَ مَخْلُوقٌ ، ثُمَّ يَقُولُونَ : الْمَعْنَى الْقَدِيمُ لَمَّا أُنْزِلَ بِهَذِهِ الْحُرُوفِ الْمَخْلُوقَةِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُسَمِّي الْحُرُوفَ كَلَامَ اللَّهِ حَقِيقَةً كَمَا يُسَمِّي الْمَعْنَى كَلَامَ اللَّهِ حَقِيقَةً ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ بَلْ هِيَ كَلَامُ اللَّهِ مَجَازاً ، كَمَا أَنَّ النَّصَارَى مِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ جَسَدَ الْمَسِيحِ لَاهُوتاً حَقِيقَةً لِاتِّحَادِهِ بِاللَّاهُوتِ ، وَاخْتِلَاطِهِ بِهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : هُوَ مَحَلُّ اللَّاهُوتِ وَوِعَاؤُهُ . ثُمَّ النَّصَارَى تَقُولُ : هَذَا الْجَسَدُ إنَّمَا عُبِدَ لِكَوْنِهِ مَظْهَرَ اللَّاهُوتِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ إيَّاهُ ، وَلَكِنْ صَارَ هُوَ إيَّاهُ بِطَرِيقِ الِاتِّحَادِ ، وَهُوَ مَحَلُّهُ بِطَرِيقِ الْحُلُولِ ، فَعُظِّمَ كَذَلِكَ . وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ : هَذِهِ الْحُرُوفُ لَيْسَتْ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ بِهَا ، وَلَكِنْ
الفتاوى الكبرى — صفحة 592 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا