فَإِنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْخُلْعَ الْمَأْذُونَ فِيهِ إذَا خِيفَ أَنْ لَا يُقِيمَ الزَّوْجَانِ حُدُودَ اللَّهِ .
وَأَنَّ النِّكَاحَ الثَّانِيَ إنَّمَا يُبَاحُ إذَا ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ .
وَمِنْهَا قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ : { مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ } ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ إنَّمَا قَدَّمَ عَلَى الْمِيرَاثِ وَصِيَّةَ مَنْ لَمْ يُضَارَّ الْوَرَثَةُ بِهَا ، فَإِذَا وَصَّى ضِرَاراً كَانَ ذَلِكَ حَرَاماً ، وَكَانَ لِلْوَرَثَةِ إبْطَالُهُ ، وَحَرُمَ عَلَى الْمُوصَى لَهُ أَخْذُهُ بِدُونِ رِضَاهُمْ ، وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ : { تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } إلَى قَوْلِهِ : { وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً } .
وَإِنَّمَا ذَكَرَ الضِّرَارَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ دُونَ الَّتِي قَبْلَهَا ؛ لِأَنَّ الْأُولَى تَضَمَّنَتْ مِيرَاثَ الْعَمُودَيْنِ ، وَالثَّانِيَةَ تَضَمَّنَتْ مِيرَاثَ الْأَطْرَافِ مِنْ الزَّوْجَيْنِ وَالْإِخْوَةِ وَالْعَادَةُ أَنَّ الْمُوصِيَ قَدْ يُضَارُّ زَوْجَتَهُ ، وَإِخْوَتَهُ ، وَلَا يَكَادُ يُضَارُّ وَلَدَهُ لَكِنَّ الضِّرَارَ نَوْعَانِ حَيْفٌ ، وَإِثْمٌ ، فَإِنَّهُ قَدْ يَقْصِدُ مُضَارَّتَهُمْ وَهُوَ الْإِثْمُ وَقَدْ يُضَارُّهُمْ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ ، وَهُوَ الْحَيْفُ فَمَتَى أَوْصَى بِزِيَادَةٍ عَلَى الثُّلُثِ فَهُوَ مُضَارٍّ قَصَدَ ، أَوْ لَمْ يَقْصِدْ .
فَتُرَدُّ هَذِهِ الْوَصِيَّةُ .
وَإِنْ وَصَّى بِدُونِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ قَصَدَ الضِّرَارَ فَيُمْضِيهَا .
فَإِنْ عَلِمَ الْمُوصَى لَهُ إنَّمَا أَوْصَى لَهُ ضِرَاراً لَمْ يَحِلَّ لَهُ الْأَخْذُ .
وَلَوْ اعْتَرَفَ الْمُوصِي : إنِّي إنَّمَا أَوْصَيْتُ ضِرَاراً لَمْ تَجُزْ إعَانَتُهُ عَلَى إمْضَاءِ هَذِهِ الْوَصِيَّةِ وَوَجَبَ رَدُّهَا فِي مُقْتَضَى هَذِهِ الْآيَةِ .
وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ جُذَاذَ النَّخْلِ عَمَلٌ مُبَاحٌ فِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءَ صَاحِبُهُ ، وَلَمَّا قَصَدَ أَصْحَابُهُ بِهِ فِي اللَّيْلِ حِرْمَانَ الْفُقَرَاءِ عَاقَبَهُمْ اللَّهُ بِإِهْلَاكِهِ ، وَقَالَ : { وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ } ثُمَّ جَاءَتْ السُّنَّةُ ، عَنْ النَّبِيِّ عَاقَبَهُمْ بِكَرَاهَةِ الْجِذَاذِ فِي اللَّيْلِ لِكَوْنِهِ مَظِنَّةً لِهَذَا الْفَسَادِ وَذَرِيعَةً إلَيْهِ وَنَصَّ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ .
وَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَى وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ ، عَنْ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ أَبِي طُعْمَةَ مَوْلَاهُمْ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْغَافِقِيِّ أَنَّهُمَا سَمِعَا ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لُعِنَتْ الْخَمْرُ عَلَى عَشَرَةِ وُجُوهٍ : لُعِنَتْ الْخَمْرُ لِعَيْنِهَا ، وَشَارِبِهَا ،
الفتاوى الكبرى — صفحة 55
مساهمون: ابن تيمية
ص٥٥