تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 54

مساهمون:

ص٥٤
فِي اسْتِحْلَالِ الْمُحَرَّمَاتِ ، وَكَانَ هَذَا الْبَيَانُ عَقِيبَ آيَةِ الرِّبَا مُنَاسِباً ، لِأَنَّ الرِّبَا آخِرُ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ ، فَذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَقِيبَهُ مَا دَلَّ الْأُمَّةَ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ التَّأْوِيلَاتِ الَّتِي يُسْتَبَاحُ بِهَا الْخَمْرُ ، وَالرِّبَا وَالزِّنَا وَغَيْرُهَا ، ثُمَّ إنَّهُ أَخْبَرَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الَّذِينَ يَسْتَحِلُّونَ هَذِهِ الْمَحَارِمَ يَنْحَلُونَهَا أَسْمَاءً غَيْرَ الْأَسْمَاءِ الْحَقِيقِيَّةِ يُمْسَخُونَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ ، وَكَذَلِكَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَمَرَ بِتَرْكِ الْأَشْرِبَةِ الْمُسْكِرَةِ ، كُلِّهَا وَبِتَرْكِ الرِّيَبِ الَّتِي لَا يُعْلَمُ أَنَّهَا بَيْعٌ حَلَالٌ ، بَلْ يُمْكِنُ أَنَّهَا رِباً ، وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى تَشَابُهِ مَعَانِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَتَوَافُقِهَا أَمْراً وَإِخْبَاراً . وَهَذِهِ الْآثَارُ كُلُّهَا إذَا تَأَمَّلَهَا الْفَقِيهُ تَبَيَّنَ أَنَّهَا مِشْكَاةٌ وَاحِدَةٌ ، وَعَلِمَ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِحَقِيقَةِ الْعُقُودِ وَمَقَاصِدِهَا الَّتِي تُؤَوَّلُ إلَيْهَا وَاَلَّتِي قُصِدَتْ بِهَا ، وَأَنَّ الِاحْتِيَالَ لَا يُرْفَعُ بِهَذِهِ الْحَقِيقَةِ ، وَهَذَا بَيِّنٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . الْوَجْهُ الثَّانِيَ عَشَرَ أَنَّ الْمَقَاصِدَ وَالِاعْتِقَادَاتِ مُعْتَبَرَةٌ فِي التَّصَرُّفَاتِ وَالْعَادَاتِ ، كَمَا هِيَ مُعْتَبَرَةٌ فِي التَّقَرُّبَاتِ وَالْعِبَادَاتِ ، فَيَجْعَلُ الشَّيْءَ حَلَالاً ، أَوْ حَرَاماً ، أَوْ صَحِيحاً ، أَوْ فَاسِداً أَوْ صَحِيحاً مِنْ وَجْهٍ ، فَاسِداً مِنْ وَجْهٍ ، كَمَا أَنَّ الْقَصْدَ فِي الْعِبَادَةِ يَجْعَلُهَا وَاجِبَةً ، أَوْ مُسْتَحَبَّةً أَوْ مُحَرَّمَةً ، أَوْ صَحِيحَةً ، أَوْ فَاسِدَةً . وَدَلَائِلُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ كَثِيرَةٌ جِدّاً ، مِنْهَا قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ : { وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إنْ أَرَادُوا إصْلَاحاً } ، وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ : { وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِتَعْتَدُوا } فَإِنَّ ذَلِكَ نَصٌّ فِي أَنَّ الرَّجْعَةَ إنَّمَا ثَبَتَتْ لِمَنْ قَصَدَ الصَّلَاحَ دُونَ الضِّرَارِ ، وَمِنْهَا قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ : { وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً } - إلَى قَوْلِهِ : - { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ } - إلَى قَوْلِهِ - { فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ }