فَقَالَ : { إنَّ اللَّهَ لَا يُخْدَعُ هَذَا مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ } .
رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْكُوفِيُّ الْحَافِظُ الْمَعْرُوفُ بِمُطَيْنٍ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ .
وَالصَّحَابَةُ إذَا قَالَ حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، أَوْ أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، أَوْ أَوْجَبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، أَوْ قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَنَحْوَ هَذَا ، فَإِنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ مَا لَوْ رَوَى لَفْظَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدَّالَّ عَلَى التَّحْرِيمِ وَالْأَمْرِ وَالْإِيجَابِ وَالْقَضَاءِ .
لَيْسَ فِي ذَلِكَ إلَّا خِلَافٌ شَاذٌّ .
لِأَنَّ رِوَايَةَ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى جَائِزَةٌ ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَعْنَى مَا سَمِعَ فَلَا يُقْدِمُ عَلَى أَنْ يَقُولَ أَمَرَ ، أَوْ نَهَى ، أَوْ حَرَّمَ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَثِقَ بِذَلِكَ ، وَاحْتِمَالُ الْوَهْمِ مَرْجُوحٌ كَاحْتِمَالِ غَلَطِ السَّمْعِ .
وَنِسْيَانِ الْقَلْبِ .
وَقَدْ رَوَى مُطَيْنٌ أَيْضاً ، عَنْ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : اتَّقُوا هَذِهِ الْعِينَةَ ، لَا بَيْعَ دَرَاهِمَ بِدَرَاهِمَ وَبَيْنَهُمَا حَرِيرَةٌ ، وَفِي رِوَايَةٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ رَجُلاً بَاعَ مِنْ رَجُلٍ حَرِيرَةً بِمِائَةٍ ، ثُمَّ اشْتَرَاهَا بِخَمْسِينَ ، سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ : دَرَاهِمُ بِدَرَاهِمَ مُتَفَاضِلَةٍ دَخَلَتْ بَيْنَهَا حَرِيرَةٌ .
ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُ ، وَفِي لَفْظٍ رَوَاهُ أَبُو مُحَمَّدٍ النَّجَشِيُّ الْحَافِظُ وَغَيْرُهُ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْعِينَةِ يَعْنِي بَيْعَ الْحَرِيرَةِ فَقَالَ : إنَّ اللَّهَ لَا يُخْدَعُ هَذَا مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ .
ذَكَرَهُ عَنْهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي خِلَافِهِ .
وَالْأَثَرُ الْمَعْرُوفُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ امْرَأَتِهِ ، أَنَّهَا دَخَلَتْ عَلَى عَائِشَةَ هِيَ ، وَأُمُّ وَلَدِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَامْرَأَةٌ أُخْرَى ، فَقَالَتْ لَهَا أُمُّ وَلَدِ زَيْدٍ : إنِّي بِعْت مِنْ زَيْدٍ غُلَاماً بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ نَسِيئَةً وَاشْتَرَيْته بِسِتِّمِائَةٍ نَقْداً ، فَقَالَتْ : أَبْلِغِي زَيْداً أَنَّهُ قَدْ أَبْطَلَ جِهَادَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا أَنْ يَتُوبَ بِئْسَ مَا اشْتَرَيْتِ وَبِئْسَ مَا شَرَيْتِ .
رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، ثِنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، وَرَوَاهُ حَرْبٌ الْكَرْمَانِيُّ فِي حَدِيثِ إسْرَائِيلَ ، حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ ، عَنْ جَدَّتِهِ الْعَالِيَةِ يَعْنِي جَدَّةَ إسْرَائِيلَ ، قَالَتْ : دَخَلْت عَلَى عَائِشَةَ فِي نِسْوَةٍ فَقَالَتْ : حَاجَتُكُنَّ ؟ فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ سَأَلَهَا أُمَّ مَحَبَّةَ فَقَالَتْ : يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ هَلْ تَعْرِفِينَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ .
قَالَتْ : فَإِنِّي بِعْته جَارِيَةً بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ إلَى الْعَطَاءِ ، وَأَنَّهُ أَرَادَ بَيْعَهَا فَابْتَعْتهَا بِسِتِّمِائَةِ دِرْهَمٍ نَقْداً .
فَأَقْبَلَتْ عَلَيْهَا وَهِيَ غَضْبَى .
فَقَالَتْ : بِئْسَ مَا شَرَيْتِ وَبِئْسَ مَا اشْتَرَيْتِ أَبْلِغِي زَيْداً أَنَّهُ قَدْ أَبْطَلَ جِهَادَهُ إلَّا أَنْ يَتُوبَ .
وَأُفْحِمَتْ صَاحِبَتُنَا فَلَمْ تُكَلِّمْ طَوِيلاً ، ثُمَّ أَنَّهُ سَهُلَ عَلَيْهَا فَقَالَتْ : يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَرَأَيْتِ إنْ لَمْ آخُذْ إلَّا رَأْسَ مَالِي ؟ فَتَلَتْ عَلَيْهَا : { فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ } .
فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَحَادِيثَ تُبَيِّنُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرَّمَ هَذَا .
حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي فِيهِ تَغْلِيظُ الْعِينَةِ - وَقَدْ فُسِّرَتْ فِي الْحَدِيثِ الْمُرْسَلِ بِأَنَّهَا مِنْ الرِّبَا ، وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ بِأَنَّهَا أَنْ يَبِيعَ حَرِيرَةً مَثَلاً بِمِائَةٍ إلَى أَجَلٍ ، ثُمَّ يَبْتَاعَهَا بِدُونِ ذَلِكَ نَقْداً .
وَقَالُوا هُوَ دَرَاهِمُ بِدَرَاهِمَ وَبَيْنَهُمَا حَرِيرَةٌ .
وَحَدِيثُ أَنَسٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضاً : " هَذَا مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ " .
وَالْحَدِيثُ الْمُرْسَلُ الَّذِي لَهُ مَا يُوَافِقُهُ ، أَوْ الَّذِي عَمِلَ بِهِ السَّلَفُ حُجَّةٌ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ .
وَحَدِيثُ عَائِشَةَ : " أَبْلِغِي زَيْداً أَنَّهُ قَدْ أَبْطَلَ جِهَادَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا أَنْ يَتُوبَ " .
وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا قَطْعٌ بِالتَّحْرِيمِ وَتَغْلِيظٌ لَهُ ، وَلَوْلَا أَنَّ عِنْدَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عِلْماً مِنْ
الفتاوى الكبرى — صفحة 47
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٧