سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { إذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ وَتَرَكْتُمْ الْجِهَادَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلّاً لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إلَى دِينِكُمْ } وَهَذَانِ إسْنَادَانِ حَسَنَانِ ، أَحَدُهُمَا يَشُدُّ الْآخَرَ وَيُقَوِّيهِ - فَأَمَّا رِجَالُ الْأَوَّلِ فَأَئِمَّةٌ مَشَاهِيرُ لَكِنْ نَخَافُ أَنْ لَا يَكُونَ الْأَعْمَشُ سَمِعَهُ عَنْ عَطَاءٍ ، فَإِنَّ عَطَاءً لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ ابْنِ عُمَرَ .
وَالْإِسْنَادُ الثَّانِي يُبَيِّنُ أَنَّ لِلْحَدِيثِ أَصْلاً مَحْفُوظاً عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، فَإِنَّ عَطَاءً الْخُرَاسَانِيَّ ثِقَةٌ مَشْهُورٌ ، وَحَيْوَةَ بْنَ شُرَيْحٍ كَذَلِكَ وَأَفْضَلُ ، وَأَمَّا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَشَيْخٌ رَوَى عَنْهُ أَئِمَّةُ الْمِصْرِيِّينَ مِثْلُ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، وَيَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ ، وَغَيْرِهِمْ .
وَقَدْ رَوَيْنَا مِنْ طَرِيقٍ ثَالِثٍ فِي حَدِيثِ السَّرِيِّ بْنِ سَهْلٍ الْجُنَيْدِ سَابُورِيّ بِإِسْنَادٍ مَشْهُورٍ عَالِيهِ ، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَشِيدٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : لَقَدْ أَتَى عَلَيْنَا زَمَانٌ وَمَا مِنَّا رَجُلٌ يَرَى أَنَّهُ أَحَقُّ بِدِينَارِهِ وَبِدِرْهَمِهِ مِنْ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ .
وَلَقَدْ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { إذَا ضَنَّ النَّاسُ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ ، وَتَبَايَعُوا بِالْعِينَةِ وَتَرَكُوا الْجِهَادَ وَاتَّبَعُوا أَذْنَابَ الْبَقَرِ أَدْخَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ذُلّاً لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى يَتُوبُوا وَيُرَاجِعُوا دِينَهُمْ } .
وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ لِلْحَدِيثِ أَصْلاً عَنْ عَطَاءٍ .
قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : الْعِينَةُ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ السَّلَفُ ، وَالسَّلَفُ يَعُمُّ تَعْجِيلَ الثَّمَنِ وَتَعْجِيلَ الْمُثَمَّنِ ، وَهُوَ الْغَالِبُ هُنَا .
يُقَالُ : اعْتَانَ الرَّجُلُ وَتَعَيَّنَ إذَا اشْتَرَى الشَّيْءَ بِنَسِيئَةٍ ، كَأَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْعَيْنِ وَهُوَ الْمُعَجَّلُ ، وَصِيغَتْ عَلَى فِعْلِهِ ، لِأَنَّهَا نَوْعٌ مِنْ ذَلِكَ .
وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ بَذْلَ الْعَيْنِ الْمُعَجَّلَةِ لِلرِّبْحِ ، وَأَخْذَهَا لِلْحَاجَةِ كَمَا قَالُوا فِي نَحْوِ ذَلِكَ : التَّوَرُّقُ إذَا كَانَ الْمَقْصُودُ الْوَرِقَ .
قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيُّ : أَنَا أَظُنُّ أَنَّ الْعِينَةَ إنَّمَا اُشْتُقَّتْ مِنْ حَاجَةِ الرَّجُلِ إلَى الْعَيْنِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ فَيَشْتَرِي السِّلْعَةَ وَيَبِيعُهَا بِالْعَيْنِ الَّذِي احْتَاجَ إلَيْهِ وَلَيْسَتْ بِهِ إلَى السِّلْعَةِ حَاجَةٌ وَتُطْلَقُ الْعِينَةُ عَلَى نَفْسِ السِّلْعَةِ الْمُعْتَانَةِ .
وَمِنْهُ حَدِيثٌ ذَكَرَهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارَ فِي النَّسَبِ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
الفتاوى الكبرى — صفحة 45
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٥