لِلْأَسْمَاءِ حَقِيقَةً ، هُوَ قَوْلُ الْقَرَامِطَةِ الْبَاطِنِيَّةِ ، وَمَنْ سَبَقَهُمْ مِنْ إخْوَانِهِمْ الصَّابِئَةِ الْفَلَاسِفَةِ .
وَالدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ : مِنْ التَّجَهُّمِ هُوَ تَجَهُّمُ الْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمْ ، الَّذِينَ يُقِرُّونَ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى فِي الْجُمْلَةِ ، لَكِنْ يَنْفُونَ صِفَاتِهِ ، وَهُمْ أَيْضاً لَا يُقِرُّونَ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى كُلِّهَا عَلَى الْحَقِيقَةِ ، بَلْ يَجْعَلُونَ كَثِيراً مِنْهَا عَلَى الْمَجَازِ ، وَهَؤُلَاءِ هُمْ الْجَهْمِيَّةُ الْمَشْهُورُونَ .
وَأَمَّا الدَّرَجَةُ الثَّالِثَةُ : فَهُمْ الصِّفَاتِيَّةُ الْمُثْبِتُونَ الْمُخَالِفُونَ لِلْجَهْمِيَّةِ ، لَكِنْ فِيهِمْ نَوْعٌ مِنْ التَّجَهُّمِ ، كَاَلَّذِينَ يُقِرُّونَ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ فِي الْجُمْلَةِ ، لَكِنْ يَرُدُّونَ طَائِفَةً مِنْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ الْخَبَرِيَّةِ ، أَوْ غَيْرِ الْخَبَرِيَّةِ ، وَيَتَأَوَّلُونَهَا كَمَا تَأَوَّلَ الْأَوَّلُونَ صِفَاتِهِ كُلَّهَا ، وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُقِرُّ بِصِفَاتِهِ الْخَبَرِيَّةِ الْوَارِدَةِ فِي الْقُرْآنِ دُونَ الْحَدِيثِ ، كَمَا عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْفِقْهِ وَطَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُقِرُّ بِالصِّفَاتِ الْوَارِدَةِ فِي الْأَخْبَارِ أَيْضاً فِي الْجُمْلَةِ ، لَكِنْ مَعَ نَفْيٍ وَتَعْطِيلٍ لِبَعْضِ مَا ثَبَتَ بِالنُّصُوصِ وَبِالْمَعْقُولِ ، وَذَلِكَ كَأَبِي مُحَمَّدِ بْنِ كِلَابٍ وَمَنْ اتَّبَعَهُ .
وَفِي هَذَا الْقِسْمِ يَدْخُلُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ وَطَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْكَلَامِ وَالْحَدِيثِ وَالتَّصَوُّفِ ، وَهَؤُلَاءِ إلَى أَهْلِ السُّنَّةِ الْمَحْضَةِ أَقْرَبُ مِنْهُمْ إلَى الْجَهْمِيَّةِ وَالرَّافِضَةِ وَالْخَوَارِجِ وَالْقَدَرِيَّةِ ، لَكِنْ انْتَسَبَ إلَيْهِمْ طَائِفَةٌ هُمْ إلَى الْجَهْمِيَّةِ أَقْرَبُ مِنْهُمْ إلَى أَهْلِ السُّنَّةِ الْمَحْضَةِ ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ يُنَازِعُونَ الْمُعْتَزِلَةَ نِزَاعاً عَظِيماً فِيمَا يُثْبِتُونَهُ مِنْ الصِّفَاتِ أَعْظَمَ مِنْ مُنَازَعَتِهِمْ لِسَائِرِ أَهْلِ الْإِثْبَاتِ فِيمَا يَنْفُونَهُ .
وَأَمَّا الْمُتَأَخِّرُونَ فَإِنَّهُمْ وَالَوْا الْمُعْتَزِلَةَ وَقَارَبُوهُمْ أَكْثَرَ وَقَدَّمُوهُمْ عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْإِثْبَاتِ ، وَخَالَفُوا أَوَّلِيهِمْ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَقَارَبُ نَفْيُهُ وَإِثْبَاتُهُ وَأَكْثَرُ النَّاسِ يَقُولُونَ إنَّ هَؤُلَاءِ يَتَنَاقَضُونَ فِيمَا يَجْمَعُونَهُ مِنْ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ .
وَفِي هَذِهِ الدَّرَجَةِ حَصَلَ النِّزَاعُ فِي مَسْأَلَةِ الْحَرْفِ وَالصَّوْتِ وَالْمَعْنَى الْقَائِمِ بِالنَّفْسِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْجَهْمِيَّةَ لَمَّا أَحْدَثَتْ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَصِفْ نَفْسَهُ بِالْكَلَامِ أَصْلاً بَلْ حَقِيقَةٌ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَكَلَّمْ وَلَا يَتَكَلَّمْ ، كَمَا أَفْصَحَ بِهِ رَأْسُهُمْ الْأَوَّلُ الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ ، حَيْثُ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَّخِذْ إبْرَاهِيمَ خَلِيلاً ، وَلَمْ يُكَلِّمْ مُوسَى
الفتاوى الكبرى — صفحة 372
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٧٢