وَذَكَرَ تَعَالَى الْقُوَّةَ فَقَالَ : { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً } وَقَالَ : { ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ } وَقَالَ سُبْحَانَهُ : { وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ } .
وَزَعَمَتْ الْجَهْمِيَّةُ وَالْقَدَرِيَّةُ : أَنَّ اللَّهَ لَا عِلْمَ لَهُ وَلَا قُدْرَةَ وَلَا حَيَاةَ وَلَا سَمْعَ وَلَا بَصَرَ ، وَأَرَادُوا أَنْ يَنْفُوا أَنَّ اللَّهَ عَالِمٌ قَادِرٌ حَيٌّ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ، فَمَنَعَهُمْ مِنْ ذَلِكَ خَوْفُ السَّيْفِ مِنْ إظْهَارِ نَفْيِ ذَلِكَ ، فَأَتَوْا بِمَعْنَاهُ ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا قَالُوا لَا عِلْمَ وَلَا قُدْرَةَ لِلَّهِ فَقَدْ قَالُوا إنَّهُ لَيْسَ بِعَالِمٍ وَلَا قَادِرٍ وَوَجَبَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ .
قَالَ : وَهَذَا إنَّمَا أَخَذُوهُ عَنْ أَهْلِ الزَّنْدَقَةِ وَالتَّعْطِيلِ ؛ لِأَنَّ الزَّنَادِقَةَ قَالَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ لَيْسَ بِعَالِمٍ وَلَا قَادِرٍ وَلَا حَيٍّ وَلَا سَمِيعٍ وَلَا بَصِيرٍ ، فَلَمْ تَقْدِرْ الْمُعْتَزِلَةُ أَنْ تُفْصِحَ بِذَلِكَ فَأَتَتْ بِمَعْنَاهُ وَقَالَتْ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَالِمٌ قَادِرٌ حَيٌّ سَمِيعٌ بَصِيرٌ مِنْ طَرِيقِ التَّسْمِيَةِ ، مِنْ غَيْرِ أَنْ تُثْبِتَ لَهُ عِلْماً أَوْ قُدْرَةً أَوْ سَمْعاً أَوْ بَصَراً .
وَكَذَلِكَ قَالَ فِي كِتَابِ الْمَقَالَاتِ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بَصَّرَنَا خَطَأَ الْمُخْطِئِينَ ، وَعَمَى الْعَمِينَ ، وَحَيْرَةَ الْمُتَحَيِّرِينَ ، الَّذِينَ نَفَوْا صِفَاتِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، وَقَالُوا إنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ ، لَا صِفَاتٍ لَهُ ، وَأَنَّهُ لَا عِلْمَ لَهُ ، وَلَا قُدْرَةَ وَلَا حَيَاةَ لَهُ وَلَا سَمْعَ لَهُ وَلَا بَصَرَ لَهُ .
وَلَا عِزَّةَ لَهُ وَلَا جَلَالَ لَهُ وَلَا عَظَمَةَ لَهُ وَلَا كِبْرِيَاءَ لَهُ .
وَكَذَلِكَ قَالُوا فِي سَائِرِ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي وَصَفَ بِهَا نَفْسَهُ قَالَ : وَهَذَا قَوْلٌ أَخَذُوهُ عَنْ إخْوَانِهِمْ مِنْ الْمُتَفَلْسِفَةِ ، الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ لِلْعَالَمِ صَانِعاً لَمْ يَزَلْ لَيْسَ بِعَالِمٍ وَلَا قَادِرٍ وَلَا حَيٍّ وَلَا سَمِيعٍ وَلَا بَصِيرٍ وَلَا قَدِيرٍ ، وَعَبَّرُوا عَنْهُ بِأَنْ قَالُوا نَقُولُ : غَيْرَ لَمْ يَزَلْ وَلَمْ يَزِيدُوا عَلَى ذَلِكَ ، غَيْرَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفْنَا قَوْلَهُمْ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ فِي الصِّفَاتِ ، لَمْ يَسْتَطِيعُوا أَنْ يُظْهِرُوا مِنْ ذَلِكَ مَا كَانَتْ الْفَلَاسِفَةُ تُظْهِرُهُ ، فَأَظْهَرُوا مَعْنَاهُ ، فَنَفَوْا أَنْ يَكُونَ لِلْبَارِي عِلْمٌ وَقُدْرَةٌ وَحَيَاةٌ وَسَمْعٌ وَبَصَرٌ وَلَوْلَا الْخَوْفُ لَأَظْهَرُوا مَا كَانَتْ الْفَلَاسِفَةُ تُظْهِرُهُ مِنْ ذَلِكَ وَلَأَفْصَحُوا بِهِ ، غَيْرَ أَنَّ خَوْفَ السَّيْفِ يَمْنَعُهُمْ مِنْ إظْهَارِ ذَلِكَ ، قَالَ : وَقَدْ أَفْصَحَ بِذَلِكَ رَجُلٌ يُعْرَفُ بِابْنِ الْأَنْبَارِيِّ ، كَانَ يَنْتَحِلُ قَوْلَهُمْ فَزَعَمَ أَنَّ الْبَارِيَ عَالِمٌ قَادِرٌ سَمِيعٌ بَصِيرٌ فِي الْمَجَازِ لَا فِي الْحَقِيقَةِ ، وَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي هُوَ قَوْلُ الْغَالِيَةِ النُّفَاةِ
الفتاوى الكبرى — صفحة 371
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٧١