وَالْمُشَاهَدَةِ الظَّاهِرَةِ أَوْ الْبَاطِنَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً } .
وَقَالَ تَعَالَى : { فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمْ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إلَى اللَّهِ } وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ وُلِدُوا عَلَى الْفِطْرَةِ وَمِنْ الْمَعْلُومِ بِالْفِطْرَةِ أَنَّ مَا لَا يُمْكِنُ إحْسَاسُهُ لَا بَاطِناً وَلَا ظَاهِراً لَا وُجُودَ لَهُ ، وَالْعَقْلُ هُوَ الَّذِي ضَبَطَ الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ الْكُلِّيَّ ، الَّذِي بَيْنَ أَفْرَادِ الْمَوْجُودَاتِ الَّتِي أَحَسَّهَا ، وَالْكُلِّيَّ لَا وُجُودَ لَهُ كُلِّيّاً إلَّا فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ .
فَهَذِهِ الْمُقَدِّمَةُ الْفِطْرِيَّةُ هِيَ الَّتِي عَلَيْهَا أَهْلُ الْإِيمَانِ ، وَمَنْ كَانَ بَاقِياً عَلَى الْفِطْرَةِ فِيهَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ وَغَيْرِهِمْ كَمَا أَنَّ أَهْلَ الْفِطَرِ كُلَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالصَّانِعِ ، وَأَنَّهُ فَوْقَ الْعَالَمِ ، وَأَنَّهُمْ حِينَ دُعَائِهِ يَتَوَجَّهُونَ إلَى فَوْقَ بِقُلُوبِهِمْ وَعُيُونِهِمْ وَأَيْدِيهِمْ .
وَلَمَّا كَانَ أَصْلُ قَوْلِ جَهْمٍ هُوَ قَوْلُ الْمُبَدِّلِينَ مِنْ الصَّابِئَةِ وَهَؤُلَاءِ شَرٌّ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ، كَانَ الْأَئِمَّةُ يَقُولُونَ إنَّ قَوْلَهُمْ شَرٌّ مِنْ قَوْلِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَإِنْ كَانُوا خَيْراً مِنْ الْمُشْرِكِينَ ، كَاَلَّذِينَ نَاظَرَهُمْ جَهْمٌ وَنَحْوُهُمْ مِمَّنْ يُعَطِّلُ وُجُودَ الصَّانِعِ ، أَوْ يُوجِبُ عِبَادَةَ إلَهٍ مَعَهُ ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ الصَّابِئَةَ لَيْسُوا كَذَلِكَ ، لَكِنَّهُمْ وَإِنْ لَمْ يُوجِبُوا الشِّرْكَ فَقَدْ لَا يُحَرِّمُونَهُ ، بَلْ يُسَوِّغُونَ التَّوْحِيدَ وَالْإِشْرَاكَ جَمِيعاً ، وَيَسْتَحْسِنُونَ عِبَادَةَ أَهْلِ التَّوْحِيدِ وَعِبَادَةَ أَهْلِ الْإِشْرَاكِ جَمِيعاً وَلَا يُنْكِرُونَ هَذَا وَلَا هَذَا ، كَمَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي كَلَامِهِمْ وَمُصَنَّفَاتِهِمْ لَكِنْ لَيْسَ النَّاسُ فِي التَّجَهُّمِ عَلَى مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ بَلْ انْقِسَامُهُمْ فِي التَّجَهُّمِ يُشْبِهُ انْقِسَامُهُمْ فِي التَّشَيُّعِ .
فَإِنَّ التَّجَهُّمَ وَالرَّفْضَ هُمَا أَعْظَمُ الْبِدَعِ أَوْ مِنْ أَعْظَمِ الْبِدَعِ الَّتِي أُحْدِثَتْ فِي الْإِسْلَامِ .
وَلِهَذَا كَانَ الزَّنَادِقَةُ الْمَحْضَةُ مِثْلُ الْمَلَاحِدَةِ مِنْ الْقَرَامِطَةِ وَنَحْوِهِمْ إنَّمَا يَتَسَتَّرُونَ بِهَذَيْنِ بِالتَّجَهُّمِ وَالتَّشَيُّعِ .
قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ خَلْقِ الْأَفْعَالِ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ : مَا أُبَالِي أَصْلَيْت خَلْفَ الْجَهْمِيِّ أَوْ الرَّافِضِيِّ ، أَوْ صَلَّيْت خَلْفَ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ ، وَلَا
الفتاوى الكبرى — صفحة 368
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٦٨