اللَّهِ وَصِفَاتِهِ نَفْياً وَإِثْبَاتاً لَيْسَتْ مِمَّا يَحْدُثُ سَبَبُ الْعِلْمِ بِهِ أَوْ سَبَبُ وُجُوبِهِ .
بَلْ الْعِلْمُ بِهَا وَوُجُوبُ ذَلِكَ مَا يَشْتَرِكُ فِيهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ ، وَالْأَوَّلُونَ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْ الْآخَرِينَ لِقُرْبِهِمْ مِنْ يَنْبُوعِ الْهُدَى ، وَمِشْكَاةِ النُّورِ الْإِلَهِيِّ .
فَإِنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِالْهُدَى ، هُمْ الَّذِينَ بَاشَرَهُمْ الرَّسُولُ بِالْخِطَابِ مِنْ خَوَاصِّ أَصْحَابِهِ وَعَامَّتِهِمْ ، وَهَذِهِ الْعَقَائِدُ الْأُصُولِيَّةُ مِنْ أَعْظَمِ الْهُدَى ، فَهُمْ بِهَا أَحَقُّ .
فَإِذَا كَانَ وُجُوبُ ذَلِكَ مُنْتَفِياً فِيمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَفِيمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ ، كَانَ عَدَمُ وُجُوبِهِ مَعْلُومٌ عِلْماً وَيَقِينِيّاً ، وَكَانَتْ غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُقَالُ بِاجْتِهَادِ الرَّأْيِ .
وَحِينَئِذٍ فَنَقُولُ إنَّ هَذِهِ الْأَقْوَالَ الَّتِي تُسَمَّى الْعَقْلِيَّاتِ ، غَايَتُهَا أَنْ يُجْهِدَ فِيهَا أَصْحَابُهَا عُقُولَهُمْ وَآرَاءَهُمْ ، وَالْقَوْلُ بِاجْتِهَادِ الرَّأْيِ وَإِنْ اعْتَقَدَ صَاحِبُهُ أَنَّهُ عَقْلِيٌّ مَقْطُوعٌ بِهِ لَا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ ، فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ مَقْطُوعٍ بِهِ ، وَإِنْ اعْتَقَدَ هُوَ أَنَّهُ مَقْطُوعٌ بِهِ ، فَإِنَّ هَذَا مِنْ أَكْثَرِ مَا يُوجَدُ بَيْنَهُمْ مِنْ أَقْوَالٍ يَقُولُ أَصْحَابُهَا إنَّهُ مَقْطُوعٌ بِهَا فِي الْعَقْلِ ، وَتَكُونُ بِخِلَافِ ذَلِكَ ، حَتَّى إنَّ الْوَاحِدَ مِنْهُمْ هُوَ الَّذِي يَقُولُ فِي الْقَوْلِ إنَّهُ مَقْطُوعٌ بِهِ ، وَيَقُولُ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى إنَّهُ بَاطِلٌ .
وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَقْطُوعاً بِهِ فَقَدْ يَكُونُ مَظْنُوناً غَيْرَ مَعْلُومِ الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ ، وَقَدْ يَكُونُ خَطَأً مَعْلُومَ الْفَسَادِ أَوْ مَظْنُونَهُ ، وَقَدْ يَكُونُ مَشْكُوكاً فِيهِ ، فَعَامَّةُ هَذِهِ الْأَقْوَالِ الْمُتَنَازَعِ فِيهَا الَّتِي يَقُولُ قَائِلُهَا إنَّهَا مَقْطُوعٌ بِهَا تَعْتَوِرُهَا هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتُ ، وَعَدَمُ الْقَطْعِ بِهَا بَلْ ظَنُّهَا وَالشَّكُّ فِيهَا وَظَنُّ نَقِيضِهَا وَالْقَطْعُ بِنَقِيضِهَا .
ثُمَّ غَايَةُ مَا يُقَدَّرُ أَنْ تَكُونَ صَوَاباً مَعْلُوماً أَنَّهَا صَوَابٌ عِنْدَ صَاحِبِهَا ، فَلَيْسَ كُلُّ مَا كَانَ كَذَلِكَ يَجِبُ عَلَى جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ اعْتِقَادُهُ ، إذْ طُرُقُ الْعِلْمِ بِذَلِكَ قَدْ تَكُونُ خَفِيَّةً مُشْتَبِهَةً ، فَلَا يَجِبُ التَّكْلِيفُ بِمُوجَبِهَا لِجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَلَوْ كَانَتْ عَقْلِيَّةً ظَاهِرَةً مَعْلُومَةً بِأَدْنَى نَظَرٍ لَمْ يَجِبْ فِي كُلِّ مَا كَانَ كَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ اعْتِقَادُهُ وَاجِباً عَلَى كُلِّ الْمُؤْمِنِينَ ، مِثْلُ كَثِيرٍ مِنْ مَسَائِلِ الْحِسَابِ وَالطِّبِّ وَالْهَيْئَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ .
فَهَذِهِ ثَلَاثُ مُقَدِّمَاتٍ عَظِيمَةٍ : أَحَدُهَا : أَنَّهُ لَيْسَ مَا اعْتَقَدَ قَائِلُهُ أَنَّهُ حَقٌّ مَقْطُوعٌ بِهِ مَعْلُومٌ بِالْعَقْلِ أَوْ بِالشَّرْعِ يَكُونُ كَذَلِكَ .
الفتاوى الكبرى — صفحة 350
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٥٠