تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 353

مساهمون:

ص٣٥٣
تَارَةً بِالْمَعْنَى الْمُطَابِقِ الَّذِي يَعْلَمُ الْمُسْتَمِعُ أَنَّهُ مُوَافِقٌ لِمَعْنَاهُمْ وَمَا يُذْكَرُ مِنْ الْأَلْفَاظِ الْمُجْمَلَةِ فَإِنِّي أُبَيِّنُهُ وَأُفَصِّلُهُ ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْأَهْوَاءِ ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِيمَا خَرَّجَهُ فِي الرَّدِّ عَلَى الزَّنَادِقَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ فِيمَا شَكَّتْ فِيهِ مِنْ مُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ وَتَأَوَّلَتْ غَيْرَ تَأْوِيلِهِ . قَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي كُلِّ زَمَانِ فَتْرَةٍ مِنْ الرُّسُلِ بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَدْعُونَ مِنْ ضَلَّ إلَى الْهُدَى وَيَصْبِرُونَ مِنْهُمْ عَلَى الْأَذَى ، يُحْيُونَ بِكِتَابِ اللَّهِ الْمَوْتَى ، وَيُبَصِّرُونَ بِنُورِ اللَّهِ أَهْلَ الْعَمَى ، فَكَمْ مِنْ قَتِيلٍ لِإِبْلِيسَ قَدْ أَحْيَوْهُ ، وَكَمْ مِنْ ضَالٍّ تَائِهٍ قَدْ هَدَوْهُ ، فَمَا أَحْسَنَ أَثَرَهُمْ عَلَى النَّاسِ ، وَمَا أَقْبَحَ أَثَرَ النَّاسِ عَلَيْهِمْ ، يَنْفُونَ عَنْ كِتَابِ اللَّهِ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ ، وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ ، وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ ، الَّذِينَ عَقَدُوا أَلْوِيَةَ الْبِدْعَةِ ، وَأَطْلَقُوا عَنَانَ الْفِتْنَةِ فَهُمْ مُخَالِفُونَ لِلْكِتَابِ مُخْتَلِفُونَ فِي الْكِتَابِ مُجْتَمِعُونَ عَلَى مُفَارَقَةِ الْكِتَابِ ، يَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ وَفِي اللَّهِ وَفِي كِتَابِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ، يَتَكَلَّمُونَ بِالْمُتَشَابِهِ مِنْ الْكَلَامِ ، وَيَخْدَعُونَ جُهَّالَ النَّاسِ بِمَا يُشَبِّهُونَ عَلَيْهِمْ ، فَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ فِتَنِ الْمُضِلِّينَ فَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّ أَهْلَ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ ، يَتَكَلَّمُونَ بِالْمُتَشَابِهِ مِنْ الْكَلَامِ وَيَخْدَعُونَ جُهَّالَ النَّاسِ ، بِمَا يُشَبِّهُونَ عَلَيْهِمْ وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِمْ لَيْسَ بِمُتَحَيِّزٍ وَلَا فِي جِهَةٍ وَلَا كَذَا وَلَا كَذَا فَإِنَّ هَذِهِ أَلْفَاظٌ مُجْمَلَةٌ مُتَشَابِهَةٌ ، يُمْكِنُ تَفْسِيرُهَا بِوَجْهِ حَقٍّ وَيُمْكِنُ تَفْسِيرُهَا بِوَجْهِ بَاطِلٍ ، فَالْمُطْلِقُونَ لَهَا يُوهِمُونَ عَامَّةَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ مَقْصُودَهُمْ تَنْزِيهُ اللَّهِ عَنْ أَنْ يَكُونَ مَحْصُوراً فِي بَعْضِ الْمَخْلُوقَاتِ ، وَيَفْتَرُونَ الْكَذِبَ عَلَى أَهْلِ الْإِثْبَاتِ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ ، كَقَوْلِ بَعْضِ قُضَاتِهِمْ لِبَعْضِ الْأُمَرَاءِ إنَّهُمْ يَقُولُونَ إنَّ اللَّهَ فِي هَذِهِ الزَّاوِيَةِ ، وَقَوْلٌ آخَرُ مِنْ طَوَاغِيتِهِمْ إنَّهُمْ يَقُولُونَ ، إنَّ اللَّهَ فِي حَشْوِ السَّمَاوَاتِ ، وَلِهَذَا سُمُّوا حَشْوِيَّةً إلَى أَمْثَالِ هَذِهِ الْأَكَاذِيبِ الَّتِي يَفْتَرُونَهَا عَلَى أَهْلِ الْإِثْبَاتِ ، ثُمَّ يَأْتُونَ بِلَفْظٍ مُجْمَلٍ مُتَشَابِهٍ يَصْلُحُ لِنَفْيِ هَذَا الْمَعْنَى الْبَاطِلِ وَلِنَفْيِ مَا هُوَ حَقٌّ فَيُطْلِقُونَهُ فَيَخْدَعُونَ بِذَلِكَ جُهَّالَ النَّاسِ ، فَإِذَا وَقَعَ الِاسْتِفْصَالُ وَالِاسْتِفْسَارُ ، انْكَشَفَتْ الْأَسْرَارُ . وَتَبَيَّنَ اللَّيْلُ مِنْ النَّهَارِ ، وَتَمَيَّزَ أَهْلُ الْإِيمَانِ وَالْيَقِينِ مِنْ أَهْلِ النِّفَاقِ الْمُدَلِّسِينَ ، الَّذِينَ لَبَّسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ ، وَكَتَمُوا الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ . فَالْمَقْصُودُ أَنَّ قَائِلَ هَذَا الْقَوْلِ إنْ لَمْ يُرِدْ بِهِ نَفْيَ عُلُوِّ اللَّهِ عَلَى عَرْشِهِ وَأَنَّهُ فَوْقَ خَلْقِهِ ، لَمْ يُنَازَعْ فِي الْمَعْنَى الَّذِي أَرَادَهُ ، لَكِنَّ لَفْظَهُ لَيْسَ بِدَالٍّ عَلَى ذَلِكَ ، بَلْ هُوَ
الفتاوى الكبرى — صفحة 353 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا