تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 345

مساهمون:

ص٣٤٥
فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ } إلَى أَمْثَالِ ذَلِكَ . وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ نَفْيُ الْجِهَةِ وَالتَّحَيُّزِ عَنْ اللَّهِ وَلَا وَصْفُهُ بِمَا يَسْتَلْزِمُ لُزُوماً بَيِّناً نَفْيَ ذَلِكَ ، فَكَيْفَ يَصِحُّ مَعَ كَمَالِ الدِّينِ وَتَمَامِهِ ، وَمَعَ كَوْنِ الرَّسُولِ قَدْ بَلَّغَ الْبَلَاغَ الْمُبِينَ ، أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْ الدِّينِ وَالْإِيمَانِ ثُمَّ لَا يَذْكُرُهُ اللَّهُ وَلَا رَسُولُهُ قَطُّ ، وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُدْعَى النَّاسُ وَيُؤْمَرُونَ بِاعْتِقَادٍ فِي أُصُولِ الدِّينِ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ عَمَّنْ جَاءَ بِالدِّينِ ، هَلْ هَذَا إلَّا صَرِيحُ تَبْدِيلِ الدِّينِ ؟ ، . الْوَجْهُ الثَّالِثُ : قَدْ قُلْت لَهُمْ : قَائِلُ هَذَا الْقَوْلِ إنْ أَرَادَ بِهِ أَنْ لَيْسَ فِي السَّمَاوَاتِ رَبٌّ وَلَا فَوْقَ الْعَرْشِ إلَهٌ ، وَأَنَّ مُحَمَّداً لَمْ يَعْرُجْ بِهِ إلَى رَبِّهِ ، وَمَا فَوْقَ الْعَالَمِ إلَّا الْعَدَمُ الْمَحْضُ . فَهَذَا بَاطِلٌ مُخَالِفٌ لِإِجْمَاعِ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا ، وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الَّذِي يَعْنِيهِ جُمْهُورُ الْجَهْمِيَّةِ مِنْ مَشَايِخِ الْمُمْتَحِنِينَ وَنَحْوِهِمْ ، يُصَرِّحُونَ بِهِ فِي كَلَامِهِمْ وَكِتَابِهِمْ وَإِنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّ اللَّهَ لَا يُحِيطُ بِهِ مَخْلُوقَاتُهُ وَلَا يَكُونُ فِي جَوْفِ الْمَوْجُودَاتِ ، فَهَذَا مَذْكُورٌ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي كَلَامِي . وَإِثْبَاتُ هَذَا الْمَعْنَى وَهُوَ أَنَّهُ بِذَاتِهِ فِي الْمَوْجُودَاتِ لَيْسَ خَارِجاً عَنْهَا . هُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ الْجَهْمِيَّةِ أَيْضاً الَّذِينَ يَنْفُونَ أَنَّهُ عَلَى الْعَرْشِ أَيْضاً سَوَاءٌ قَالُوا إنَّهُ بِذَاتِهِ فِي كُلِّ مَكَان ، أَوْ قَالُوا إنَّهُ هُوَ الْمَوْجُودَاتُ كَمَا يَقُولُهُ الِاتِّحَادِيَّةُ مِنْهُمْ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْجَهْمِيَّةَ الَّذِينَ يَنْفُونَ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ فَوْقَ عَرْشِهِ بَائِناً مِنْ خَلْقِهِ ، مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ إنَّهُ لَا دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ إنَّهُ دَاخِلُ الْعَالَمِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ إنَّهُ دَاخِلُهُ وَخَارِجُهُ مُتَنَاهِياً أَوْ غَيْرَ مُتَنَاهٍ جِسْماً أَوْ غَيْرَ جِسْمٍ ، كَمَا بَيَّنَّا مَقَالَاتِهِمْ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ . فَصَارَتْ الْجَهْمِيَّةُ الَّذِينَ يَنْفُونَ عَنْ اللَّهِ الْجِهَةَ وَالْحَيِّزَ ، مَقْصُودُهُمْ أَنَّهُ لَيْسَ فَوْقَ الْعَرْشِ رَبٌّ ، وَلَا فَوْقَ السَّمَاوَاتِ إلَهٌ . وَالْجَهْمِيَّةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ إنَّهُ فِي الْمَوْجُودَاتِ ، يُثْبِتُونَ لَهُ الْجِهَةَ وَالْحَيِّزَ . فَبَيَّنْت فِي الْجَوَابِ بُطْلَانَ قَوْلِ فَرِيقَيْ الْجَهْمِيَّةِ النُّفَاةِ وَالْمُثْبِتَةِ ، فَإِنَّ نُفَاةَ الْجَهْمِيَّةِ لَا يَعْبُدُونَ شَيْئاً ، وَمُثْبِتَتَهُمْ يَعْبُدُونَ كُلَّ شَيْءٍ ، وَذَكَرْتُ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ ؛ لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي جَرَتْ عَادَةُ
الفتاوى الكبرى — صفحة 345 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا