بِمَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، ثُمَّ سَكَتُوا فَمَنْ قَالَ بِقَوْلِ جَهْمٍ فَقَدْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ لِأَنَّهُ قَدْ وَصَفَهُ بِصِفَةٍ لَا شَيْءٍ .
الْوَجْهُ التَّاسِعُ : فَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْإِجْمَاعَ عَلَى وُجُوبِ الْإِفْتَاءِ فِي بَابِ الصِّفَاتِ بِمَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، دُونَ قَوْلِ جَهْمٍ الْمُتَضَمِّنِ لِلنَّفْيِ ، فَمَنْ قَالَ لَا يُتَعَرَّضُ لِأَحَادِيثِ الصِّفَاتِ وَآيَاتِهَا عِنْدَ الْعَوَامّ ، وَلَا يُكْتَبُ بِهَا إلَى الْبِلَادِ ، وَلَا فِي الْفَتَاوَى الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَا ، بَلْ يَعْتَقِدُ مَا ذَكَرَهُ مِنْ النَّفْيِ ، فَقَدْ خَالَفَ هَذَا الْإِجْمَاعَ ، وَمِنْ أَقَلِّ مَا قِيلَ فِيهِمْ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حُكْمِي فِي أَهْلِ الْكَلَامِ أَنْ يُضْرَبُوا بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ ، وَيُطَافُ بِهِمْ فِي الْقَبَائِلِ وَالْعَشَائِرِ ، وَيُقَالُ هَذَا جَزَاءُ مَنْ تَرَكَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَأَقْبَلَ عَلَى الْكَلَامِ .
الْوَجْهُ الْعَاشِرُ : أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ : " لَا يَتَعَرَّضُ لِأَحَادِيثِ الصِّفَاتِ وَآيَاتِهَا عِنْدَ الْعَوَامّ ، وَلَا يَكْتُبُ بِهَا إلَى الْبِلَادِ ، وَلَا فِي الْفَتَاوَى الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَا " .
إمَّا أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا تُتْلَى هَذِهِ الْآيَاتُ وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ عِنْدَ عَوَامِّ الْمُؤْمِنِينَ ، فَهَذَا مِمَّا يُعْلَمُ بُطْلَانُهُ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْمُسْلِمِينَ ، بَلْ هَذَا الْقَوْلُ إنْ أُخِذَ عَلَى إطْلَاقِهِ ، فَهُوَ كُفْرٌ صَرِيحٌ فَإِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى مَا عَلِمُوهُ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ تِلَاوَةِ هَذِهِ الْآيَاتِ فِي الصَّلَوَاتِ فَرْضِهَا وَنَفْلِهَا ، وَاسْتِمَاعِ جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ لِذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ تِلَاوَتُهَا وَإِقْرَاؤُهَا وَاسْتِمَاعُهَا خَارِجَ الصَّلَاةِ هُوَ مِنْ الدِّينِ الَّذِي لَا نِزَاعَ فِيهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ، وَكَذَلِكَ تَبْلِيغُ الْأَحَادِيثِ فِي الْجُمْلَةِ هُوَ مِمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ ، وَهُوَ مَعْلُومٌ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْمُسْلِمِينَ .
إذْ مَا مِنْ طَائِفَةٍ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ إلَّا وَلَا بُدَّ أَنْ تَرْوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئاً مِنْ صِفَاتِ الْإِثْبَاتِ أَوْ النَّفْيِ ، فَإِنَّ اللَّهَ يُوصَفُ بِالْإِثْبَاتِ ، وَهُوَ إثْبَاتُ مَحَامِدِهِ بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَتَمْجِيدِهِ ، وَيُوصَفُ بِالنَّفْيِ ، وَهُوَ نَفْيُ الْعُيُوبِ وَالنَّقَائِصِ عَنْهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً .
وَإِمَّا أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ لَا يُقَالُ حُكْمُهَا كَذَا وَكَذَا إمَّا إقْرَارٌ وَتَأْوِيلٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَ هَذَا فَيَنْبَغِي لِقَائِلِ ذَلِكَ أَنْ يَلْتَزِمَ مَا أَلْزَمَ بِهِ غَيْرَهُ ، فَلَا يَنْطِقُ فِي حُكْمِ هَذِهِ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ بِشَيْءٍ ، وَلَا يَقُولُ الظَّاهِرُ مُرَادٌ أَوْ غَيْرُ مُرَادٍ ، وَلَا التَّأْوِيلُ سَائِغٌ ، وَلَا هَذِهِ النُّصُوصُ لَهَا مَعَانٍ أُخَرُ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ إذْ هَذَا تَعَرُّضٌ لِآيَاتِ الصِّفَاتِ وَأَحَادِيثِهَا عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ ، وَإِذَا الْتَزَمَ هُوَ ذَلِكَ وَقَالَ لِغَيْرِهِ : الْتَزِمْ مَا الْتَزَمْتُهُ وَلَا تَزِدْ عَلَيْهَا وَلَا تَنْقُصْ مِنْهَا ،
الفتاوى الكبرى — صفحة 335
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٣٥