وَلِهَذَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تَرْتَكِبُوا مَا ارْتَكَبَتْ الْيَهُودُ ، فَتَسْتَحِلُّونَ مَحَارِمَ اللَّهِ بِأَدْنَى الْحِيَلِ } ، فَإِنَّ أَدْنَى الْحِيلَةِ مِنْ الْحِيَلِ يُمْكِنُ اسْتِحْلَالُ الْمَحَارِمِ بِهَا ، وَإِذَا كَانَ التَّحْرِيمُ الْمُتَضَمِّنُ لِجَلْبِ مَصَالِحِ خَلْقِهِ وَدَفْعِ الْمَفَاسِدِ عَنْهُمْ يَزُولُ بِأَدْنَى سَعْيٍ غَيْرَ مَقْصُودٍ ، لَمْ يَكُنْ فِيهِ كَبِيرُ فَائِدَةٍ وَلَا مَصْلَحَةٍ ، وَكَانَ إلَى اللَّعِبِ أَقْرَبُ مِنْهُ إلَى الْجَدِّ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُ ذَلِكَ فِي الْأَدِلَّةِ الْعَامَّةِ .
فَإِذَا قِيلَ : إنَّ هَذَا حَلَالٌ كَانَ حَقِيقَتُهُ أَنَّ الْمَرْأَةَ تَحْرُمُ عَلَى زَوْجِهَا حَتَّى يَنْزِلَ عَلَيْهَا فَحْلٌ مِنْ الْفُحُولِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَغْبَةٌ فِي نِكَاحِهَا بَلْ يُعْطَى عَلَى ذَلِكَ جُعْلاً ، لَكِنْ لَا بُدَّ أَنْ يُظْهِرَ صُورَةَ الْعَقْدِ وَالْتِزَامَ الْمَهْرِ ، وَالْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ فَيَكُونُ قَائِلُ هَذَا قَدْ ادَّعَى أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثاً حَتَّى تُوطَأَ وَطْئاً شَبِيهاً بِالزِّنَا بَلْ هُوَ زِناً ، فَإِنَّ هَذَا مَعْنَاهُ مَعْنَى الزِّنَا إذْ الزَّانِي هُوَ مَنْ يُرِيدُ وَطْءَ الْمَرْأَةِ ، بِدُونِ النِّكَاحِ الَّذِي هُوَ النِّكَاحُ ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَقَدْ سُئِلَ عَنْ التَّحْلِيلِ ، هُوَ السِّفَاحُ لَوْ أَدْرَكَكُمْ عُمَرُ لَنَكَلَكُمْ ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ { كُنَّا نَعُدُّهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِفَاحاً } ، وَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَا أُوتَى بِمُحَلِّلٍ وَلَا مُحَلَّلٍ لَهُ إلَّا رَجَمْتُهُمَا وَشَبَّهَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالتَّيْسِ الْمُسْتَعَارِ إذْ الْمَقْصُودُ وَطْؤُهُ لَا مِلْكُهُ ، كَذَلِكَ هَذَا الْمُحَلِّلُ إنَّمَا يَقْصِدُ مِنْهُ الْوَطْءَ الْمُجَرَّدَ لَا أَحْكَامَ الْعَقْدِ الَّذِي هُوَ الْمِلْكُ ، وَلَمَّا رَأَى كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّ بَعْضَ الْمُسْلِمِينَ يَقُولُ إنَّ الْمُطَلَّقَةَ تَحْرُمُ حَتَّى تُوطَأَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ ، وَقَدْ رَأَى أَنَّ مَعْنَى هَذَا مَعْنَى الزِّنَا ، وَحَسِبَ أَنَّ هَذَا مِنْ الدِّينِ الْمَأْخُوذِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ تَجَاهَلَ بِإِظْهَارِ ذَلِكَ أَخَذَ يُعَيِّرُ الْمُسْلِمِينَ بِهَذَا وَيَقُولُ ، إنَّ دِينَهُمْ أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ تَحْرُمُ حَتَّى تَزْنِيَ فَإِذَا زَنَتْ حَلَّتْ .
ذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو يَعْقُوبَ الْجُوزَجَانِيُّ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرُهُمْ حَتَّى اعْتَمَدَ بَعْضُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّصَارَى فِيمَا يَهْجُو بِهِ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ عَلَى مَسْأَلَةِ التَّحْلِيلِ ، وَأَخَذَ يُنَفِّرُ أَهْلَ دِينِهِ عَنْ الْإِسْلَامِ بِالتَّشْنِيعِ بِهَا ، وَلَمْ يَعْلَمْ عَدُوُّ اللَّهِ أَنَّ هَذَا لَا أَصْلَ لَهُ فِي الدِّينِ وَلَا هُوَ مَأْخُوذٌ عَنْ السَّابِقِينَ ، وَلَا عَنْ التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ ، بَلْ قَدْ حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ .
قَالَ أَبُو يَعْقُوبَ الْجُوزَجَانِيُّ وَأَقُولُ إنَّ الْإِسْلَامَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي اخْتَارَهُ وَاصْطَفَاهُ وَطَهَّرَهُ ، وَهُوَ حَقِيقٌ بِالتَّوْقِيرِ وَالصِّيَانَةِ مِنْ عِلَّةٍ تَشِينُهُ ، وَأَنْ يُنَزَّهَ عَمَّا أَصْبَحَ أُمَنَاءُ الْمِلَلِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ ، يُعَيِّرُونَ بِهِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِيهِ مِنْ النَّهْيِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَبِالْجُمْلَةِ : فَهَذَا بَيِّنٌ لِمَنْ تَأَمَّلَ وَأَنْصَفَ فَإِنَّ دِينَ اللَّهِ أَزْكَى وَأَطْهَرَ مِنْ أَنْ يُحَرِّمَ
الفتاوى الكبرى — صفحة 263
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٦٣