تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 261

مساهمون:

ص٢٦١
عَلَى أَنَّ إمْسَاكَهُنَّ ضِرَاراً مِنْ اتِّخَاذِ آيَاتِ اللَّهِ هُزُواً ، وَمَا ذَاكَ إلَّا لِأَنَّ الْمُمْسِكَ تَكَلَّمَ بِالرَّجْعَةِ وَهُوَ غَيْرُ مُعْتَقِدٍ لِمَقْصُودِ النِّكَاحِ بَلْ إنَّمَا نَكَحَ لِيُطَلِّقَ ، وَالطَّلَاقُ لَيْسَ هُوَ الْمَقْصُودُ بِالنِّكَاحِ وَلَا مِنْ الْمَقْصُودِ بِهِ ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ التَّحْلِيلَ مِنْ اتِّخَاذِ آيَاتِ اللَّهِ هُزُواً ثَبَتَ أَنَّهُ حَرَامٌ ثُمَّ يَلْزَمُ مِنْ تَحْرِيمِهِ فَسَادُهُ بِإِبْطَالِ مَقْصُودِ الْمُحَلِّلِ مِنْ ثُبُوتِ نِكَاحِهِ ثُمَّ نِكَاحِ الْمُطَلِّقِ ، وَهَذَا الْوَجْهُ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ بِطَرِيقِ الْعُمُومِ ، فِي الْقَاعِدَةِ الْأُولَى فِي الِاسْتِدْلَالِ بِآيَاتِ الِاسْتِهْزَاءِ ، فِي تَقْرِيرِ أَنَّ الْمَقَاصِدَ مُعْتَبَرَةٌ فِي الْعُقُودِ ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ هُنَا لِأَنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ دَلَّا عَلَى النَّهْيِ عَنْ الِاسْتِهْزَاءِ فِي النِّكَاحِ بِخُصُوصِهِ ، فَلِذَلِكَ ذُكِرَ فِي الْأَدِلَّةِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ ، ثُمَّ لَمَّا دَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى إبْطَالِ الِاسْتِهْزَاءِ بِآيَاتِ اللَّهِ ، وَكَانَ ذَلِكَ يَدْخُلُ فِي الْهَازِلِ وَالْمُحَلِّلِ بَطَلَ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا مَقْصُودُهُ ، وَمَقْصُودُ الْهَازِلِ أَنْ لَا يَنْعَقِدَ النِّكَاحُ ، فَصَحَّحَ عَقْدَهُ ، وَمَقْصُودُ الْمُحَلِّلِ هُوَ التَّحْلِيلُ فَلَا يَحْصُلُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . الْمَسْلَكُ الْعَاشِرُ أَنَّهُ قَصَدَ بِالْعَقْدِ غَيْرَ مَا شُرِعَ لَهُ الْعَقْدُ ، فَيَجِبُ أَنْ لَا يَصِحَّ وَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ شَرَعَ الْعُقُودَ أَسْبَاباً إلَى حُصُولِ أَحْكَامٍ مَقْصُودَةٍ ، فَشَرَعَ الْبَيْعَ سَبَباً لِمِلْكِ الْأَمْوَالِ بِطَرِيقِ الْمُعَاوَضَةِ ، وَالْهِبَةَ سَبَباً لِمِلْكِ الْمَالِ تَبَرُّعاً ، وَالنِّكَاحَ سَبَباً لِمِلْكِ الْبُضْعِ ، وَالْخُلْعَ سَبَباً لِحُصُولِ الْبَيْنُونَةِ ، فَحَقِيقَةُ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَمَقْصُودُهُمَا الْمُقَوِّمُ لَهُمَا الَّذِي لَا قِوَامَ لَهُمَا بِدُونِهِ انْتِقَالُ الْمِلْكِ مِنْ مَالِكٍ إلَى مَالِكٍ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ ، وَمِلْكُ الْمَالِ هُوَ الْقُدْرَةُ عَلَى التَّصَرُّفِ فِيهِ بِجَمِيعِ الطُّرُقِ الْمَشْرُوعَةِ ، وَحَقِيقَةُ النِّكَاحِ وَمَقْصُودُهُ حُصُولُ السَّكَنِ وَالِازْدِوَاجِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ لِمَنْفَعَةِ الْمُتْعَةِ وَتَوَابِعِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَحَقِيقَةُ الْخُلْعِ وَمَقْصُودُهُ حُصُولُ الْبَيْنُونَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَأَنْ تَمْلِكَ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا ، فَإِذَا تَكَلَّمَ بِالْكَلِمَاتِ الَّتِي هِيَ صُورَةُ هَذِهِ الْعُقُودِ غَيْرَ مُعْتَقِدٍ لِمَقَاصِدِهَا وَحَقَائِقِهَا بِحَيْثُ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ إذَا ثَبَتَ حَقِيقَةُ الْعَقْدِ لَمْ يَرْضَ لِذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ اعْتَبَرَ الرِّضَا فِي الْبَيْعِ ، فَهُوَ فِي النِّكَاحِ أَعْظَمُ اعْتِبَاراً ، وَالرِّضَا بِالشَّيْءِ إرَادَةٌ لَهُ وَرَغْبَةٌ فِيهِ ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ مُرِيداً وَلَا رَاغِباً فِي مَقْصُودِ الْعَقْدِ لَمْ يَكُنْ رَاضِياً بِهِ ، فَلَا عَقْدَ لَهُ . الثَّانِي : أَنَّ عَقْدَ الْمَكْرُوهِ لَا يَصِحُّ مَعَ أَنَّهُ قَدْ تَكَلَّمَ بِالْعَقْدِ ، وَمَا ذَاكَ إلَّا ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ