تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨
ضَيَّقَ مَا وَسَّعَتْهُ السُّنَّةُ فَاحْتَاجَ صَاحِبُهُ إلَى أَنْ يَحْتَالَ لِلتَّوْسِعَةِ ، مِثْلُ انْتِفَاعِ الْمُرْتَهِنِ بِالظَّهْرِ وَالدَّارِ إذَا أَنْفَقَ بِقَدْرِ مَا انْتَفَعَ ، وَمِثْلُ بَابِ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ فَإِنَّ مَنْ اعْتَقَدَ تَحْرِيمَ هَذَا خَالَفَ السُّنَّةَ الثَّابِتَةَ ، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَغَيْرُهُمْ ، وَمَا عَلَيْهِ عَمَلُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ عَهْدِ نَبِيِّهِمْ إلَى يَوْمِهِمْ اضْطَرَّهُ الْحَالُ إلَى نَوْعٍ مِنْ الْحِيَلِ يَسْتَحِلُّ بِهَا ذَلِكَ ، ثُمَّ إنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ بِهَا سُنَّةٌ لَكَانَ إلْحَاقُهَا بِالْمُضَارَبَةِ لِأَنَّهَا بِهَا أَشْبَهُ وَأَوْلَى مِنْ إلْحَاقِهَا بِالْإِجَارَةِ لِأَنَّهَا مِنْهَا أَبْعَدُ . وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ ، أَنَّ الرَّأْيَ كَانَ وَاقِعاً عِنْدَهُمْ عَلَى مَا يَتَضَمَّنُ الْحِيَلَ : أَنَّ بِشْرَ بْنَ السَّرِيِّ وَهُوَ مِنْ الْعُلَمَاءِ الثِّقَاتِ الْمُتَقَدِّمِينَ أَدْرَكَ الْعَصْرَ الَّذِي اشْتَهَرَ فِيهِ الرَّأْيُ وَهُوَ مِمَّنْ أَخَذَ عَنْهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَطَبَقَتُهُ قَالَ : " نَظَرْتُ فِي الْعِلْمِ فَإِذَا هُوَ الْحَدِيثُ وَالرَّأْيُ فَوَجَدْتُ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرَ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ ، وَذِكْرَ الْمَوْتِ وَذِكْرَ رُبُوبِيَّةِ الرَّبِّ وَجَلَالِهِ وَعَظَمَتِهِ وَذِكْرَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ ، وَالْحَثِّ عَلَى صِلَةِ الْأَرْحَامِ وَجِمَاعِ الْخَيْرِ ، وَنَظَرْتُ فِي الرَّأْيِ فَإِذَا فِيهِ الْمَكْرُ وَالْخَدِيعَةُ وَالتَّشَاحُّ وَاسْتِقْصَاءُ الْحَقِّ وَالْمُمَاكَسَةُ فِي الدَّيْنِ وَاسْتِعْمَالُ الْحِيَلِ وَالْبَعْثُ عَلَى قَطْعِ الْأَرْحَامِ وَالتَّجَرُّؤُ عَلَى الْحَرَامِ " . وَرُوِيَ مِثْلُ هَذَا الْكَلَامِ عَنْ يُونُسَ بْنِ أَسْلَمَ ، وَقَالَ أَبُو دَاوُد سَمِعْت أَحْمَدَ وَذَكَرَ الْحِيَلَ مِنْ أَصْحَابِ الرَّأْيِ فَقَالُوا : يَحْتَالُونَ لِنَقْضِ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ فِي كَلَامِ أَهْلِ ذَلِكَ الْعَصْرِ فَعُلِمَ أَنَّ الرَّأْيَ الْمَذْمُومَ يَنْدَرِجُ فِيهِ الْحِيَلُ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ . الْوَجْهُ السَّابِعَ عَشَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَ : { أَنَّ أَوَّلَ مَا يُفْقَدُ مِنْ الدِّينِ الْأَمَانَةُ ، وَآخِرُ مَا يُفْقَدُ مِنْهُ الصَّلَاةُ } ، وَحَدَّثَ عَنْ رَفْعِ الْأَمَانَةِ مِنْ الْقُلُوبِ الْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ وَقَالَ : { خَيْرُ الْقُرُونِ الْقَرْنُ الَّذِي بُعِثْتُ فِيهِمْ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ } فَذَكَرَ بَعْدَ قَرْنِهِ قَرْنَيْنِ ، أَوْ ثَلَاثَةً ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ بَعْدَهُمْ قَوْماً يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ ، وَيَنْذِرُونَ وَلَا يُوفُونَ ، وَيَظْهَرُ فِيهِمْ السِّمَنُ ، وَهَذِهِ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ مَشْهُورَةٌ .