تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِثْلَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ . فَإِذَا كَانَتْ النَّصِيحَةُ لِكُلِّ مُسْلِمٍ وَاجِبَةً وَغِشُّهُ حَرَاماً ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُحْتَالَ لَيْسَ بِنَاصِحٍ لِلْمُحْتَالِ عَلَيْهِ بَلْ هُوَ غَاشٌّ لَهُ ، بَلْ الْحِيلَةُ أَكْبَرُ مِنْ تَرْكِ النُّصْحِ وَأَقْبَحُ مِنْ الْغِشِّ ، وَهَذَا بَيِّنٌ يَظْهَرُ مِثْلُهُ فِي الْحِيَلِ الَّتِي تُبْطِلُ الْحُقُوقَ الَّتِي ثَبَتَتْ . أَوْ تَمْنَعُ الْحُقُوقَ أَنْ تَثْبُتَ . أَوْ تُوجِبُ عَلَيْهِ شَيْئاً لَمْ يَكُنْ لِيَجِبَ ، وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ : { قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَّا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا ، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، فَالصِّدْقُ يَعُمُّ الصِّدْقَ فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ عَنْ الْمَاضِي وَالْحَاضِرِ وَالْمُسْتَقْبَلِ ، وَالْبَيَانُ يَعُمُّ بَيَانَ صِفَاتِ الْمَبِيعِ وَمَنَافِعِهِ ، وَكَذَلِكَ الْكَذِبُ وَالْكِتْمَانُ ، وَإِذَا كَانَ الصِّدْقُ وَالْبَيَانُ وَاجِبَيْنِ فِي الْمُعَامَلَةِ مُوجِبَيْنِ لِلْبَرَكَةِ . وَالْكَذِبُ وَالْكِتْمَانُ مُحَرَّمَيْنِ مَاحِقَيْنِ لِلْبَرَكَةِ فَمَعْلُومٌ أَنَّ كَثِيراً مِنْ الْحِيَلِ أَوْ أَكْثَرَهَا لَا يَتِمُّ إلَّا بِوُقُوعِ الْكَذِبِ ، أَوْ الْكِتْمَانِ أَوْ تَجْوِيزِهِ ، وَأَنَّهَا مَعَ وُجُوبِ الصِّدْقِ ، أَوْ وُقُوعِهِ لَا تَتِمُّ . مِثَالُ ذَلِكَ إذَا احْتَالَ عَلَى أَنْ يَبِيعَهُ سِلْعَةً بِأَلْفٍ ، ثُمَّ يَشْتَرِيَهَا مِنْهُ بِأَكْثَرَ نَسِيئَةً ، أَوْ يَبِيعَهَا بِأَلْفٍ وَمِائَةٍ نَسِيئَةً ثُمَّ يَشْتَرِيَهَا بِأَلْفٍ نَقْداً ، فَإِنْ وَجَبَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَصْدُقَ الْآخَرَ ، كَانَ الْوَفَاءُ بِهَذَا وَاجِباً ، فَيَلْزَمُ فَسَادُ الْعَقْدِ بِالِاتِّفَاقِ ، لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الشَّرْطِ إذَا قُدِّرَ أَنَّهُ لَازِمٌ فِي الْعَقْدِ أَبْطَلَ الْعَقْدَ بِالْإِجْمَاعِ . وَإِنْ جُوِّزَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَخْلُفَ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ ، فَقَدْ جُوِّزَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَكْذِبَ صَاحِبَهُ وَهُوَ رُكُوبٌ لِمَا حَرَّمَهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ هَذَا نَوْعٌ مِنْ الْكَذِبِ قَوْله تَعَالَى : { فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ } ، وَإِنَّمَا كَذَّبَهُمْ إخْلَافُ قَوْلِهِمْ : { لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنْ الصَّالِحِينَ } . وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ فِي عَزْمِ أَحَدِهِمَا أَنْ لَا يَفِيَ لِلْآخَرِ بِمَا تَوَاطَآ عَلَيْهِ . فَإِنْ جَازَ كَتْمُ هَذَا وَتَرْكُ بَيَانِهِ فَهُوَ مُخَالَفَةٌ لِلْحَدِيثِ . وَإِنْ وَجَبَ إظْهَارُهُ لَمْ تَتِمَّ الْحِيلَةُ فَإِنَّ الْآخَرَ لَمْ يَرْضَ إلَّا إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ الْآخَرَ يَفِي لَهُ .