تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 146

مساهمون:

ص١٤٦
الشَّيْءِ إذَا كَانَ مَشْهُوراً فَحَرَّمَهُ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ . أَوْ كَانَ التَّحْرِيمُ مَشْهُوراً فَحَلَّلَهُ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ كَانَ ذَلِكَ كُفْراً وَعِنَاداً ، وَمِثْلُ هَذَا لَا تَتَّخِذُهُ الْأُمَّةُ رَأْساً قَطُّ إلَّا أَنْ تَكُونَ قَدْ كَفَرَتْ ، وَالْأُمَّةُ لَا تَكْفُرُ قَطُّ ، وَإِذَا بَعَثَ اللَّهُ رِيحاً تَقْبِضُ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يَبْقَ حِينَئِذٍ مَنْ يَسْأَلُ عَنْ حَلَالٍ وَحَرَامٍ . وَإِذَا كَانَ التَّحْرِيمُ ، أَوْ التَّحْلِيلُ غَيْرَ مَشْهُورٍ فَخَالَفَهُ مُخَالِفٌ لَمْ يَبْلُغْهُ فَمِثْلُ هَذَا لَمْ يَزَلْ مَوْجُوداً مِنْ لَدُنْ زَمَنِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ هَذَا إنَّمَا يَكُونُ فِي آحَادِ الْمَسَائِلِ فَلَا تَضِلُّ الْأُمَّةُ وَلَا يَنْهَدِمُ الْإِسْلَامُ ، وَلَا يُقَالُ لِمِثْلِ هَذَا : إنَّهُ مُحْدَثٌ عِنْدَ قَبْضِ الْعُلَمَاءِ وَذَهَابِ الْأَخْيَارِ وَالصَّالِحِينَ . فَظَهَرَ أَنَّ الْمُرَادَ اسْتِحْلَالُ الْمُحَرَّمَاتِ الظَّاهِرَةِ بِنَوْعِ تَأْوِيلٍ وَهَذَا بَيِّنٌ فِي الْحِيَلِ ، فَإِنَّ تَحْرِيمَ السِّفَاحِ ، وَالرِّبَا ، وَالْمُعَلَّقِ طَلَاقُهَا الثَّلَاثَ - بِصِفَةٍ إذَا وُجِدَتْ - ، وَتَحْرِيمَ الْخَمْرِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ ، هُوَ مِنْ الْأَحْكَامِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي لَا يَجُوزُ أَنْ يَخْفَى عَلَى الْأُمَّةِ تَحْرِيمُهَا فِي الْجُمْلَةِ ، وَإِنَّمَا يَضِلُّ مَنْ يُفْتِي بِالرَّأْيِ وَيُضِلُّ ، وَيُحِلُّ الْحَرَامَ ، وَيُحَرِّمُ الْحَلَالَ وَيَهْدِمُ الْإِسْلَامَ إذَا احْتَالَ عَلَى حِلِّهَا بِحِيَلٍ وَسَمَّاهَا نِكَاحاً وَبَيْعاً وَخُلْعاً وَقَاسَ ذَلِكَ عَلَى النِّكَاحِ الْمَقْصُودِ وَالْبَيْعِ الْمَقْصُودِ وَالْخُلْعِ الْمَقْصُودِ فَيَبْقَى مَعَ مَنْ يَسْتَفْتِيهِ صُورَةُ الْإِسْلَامِ وَأَسْمَاءُ آيَاتِهِ دُونَ مَعَانِيهِ وَحَقَائِقِهِ وَهَذَا هُوَ الضَّالُّ ، لِأَنَّ الضَّالَّ الَّذِي يَحْسَبُ أَنَّهُ عَلَى حَقٍّ وَهُوَ عَلَى بَاطِلٍ كَالنَّصَارَى وَهُوَ هَدْمٌ لِلْإِسْلَامِ . وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ مِنْ أَكْثَرِ أَهْلِ الْأَمْصَارِ قِيَاساً وَفِقْهاً أَهْلَ الْكُوفَةِ حَتَّى كَانَ يُقَالُ : فِقْهٌ كُوفِيٌّ وَعِبَادَةٌ بَصْرِيَّةٌ ، وَكَانَ عِظَمُ عِلْمِهِمْ مَأْخُوذاً عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَكَانَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ وَأَصْحَابُ عُمَرَ وَأَصْحَابُ عَلِيٍّ مِنْ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ بِمَكَانِ الَّذِي لَا يَخْفَى ، ثُمَّ قَدْ كَانَ أَفْقَهُهُمْ فِي زَمَانِهِ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ كَانَ فِيهِمْ بِمَنْزِلَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَكَانَ يَقُولُ : " إنِّي لَأَسْمَعُ الْحَدِيثَ الْوَاحِدَ فَأَقِيسُ بِهِ مِائَةَ حَدِيثٍ " وَلَمْ يَكُنْ يَخْرُجُ عَنْ قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَصْحَابِهِ ، وَكَانَ الشَّعْبِيُّ أَعْلَمَ بِالْآثَارِ مِنْهُ ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ أَعْلَمَ بِالسُّنَّةِ مِنْهُمْ . وَقَدْ يُوجَدُ لِقُدَمَاءِ الْكُوفِيِّينَ أَقَاوِيلُ مُتَعَدِّدَةٌ فِيهَا مُخَالَفَةٌ لِسُنَّةٍ لَمْ تَبْلُغْهُمْ ، وَلَمْ يَكُونُوا مَعَ ذَلِكَ مَطْعُوناً فِيهِمْ ، وَلَا كَانُوا مَذْمُومِينَ بَلْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْلَامِ مَكَانٌ لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ عَلِمَ سِيرَةَ السَّلَفِ ، وَذَلِكَ ، لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا قَدْ وُجِدَ لِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّ