لِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ وَصَحِيحِ الْمَنْقُولِ ، قَائِلٌ قَوْلاً لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ ، بَلْ قَدْ أَنْكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ عَلَى مَنْ قَالَ : لَفْظِي بِالْقُرْآنِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ ، وَبَدَّعُوهُ كَمَا جَهَّمُوا مَنْ قَالَ : لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ .
وَقَالُوا : الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ كَيْفَ تَصَرَّفَ ، فَمَنْ قَالَ لَفْظِي بِهِ قَدِيمٌ أَوْ صَوْتِي بِهِ قَدِيمٌ ، فَابْتِدَاعٌ هَذَا وَضَلَالُهُ وَاضِحٌ .
فَمَنْ قَالَ إنَّ لَفْظَهُ بِالْقُرْآنِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ أَوْ صَوْتَهُ أَوْ فِعْلَهُ أَوْ شَيْئاً مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ .
وَهَؤُلَاءِ قَدْ يَحْتَجُّونَ بِقَوْلِهِ : { حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ } ، وَيَقُولُونَ هَذَا كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ ، فَهَذَا غَيْرُ مَخْلُوقٍ ، وَنَحْنُ لَا نَسْمَعُ إلَّا صَوْتَ الْقَارِئِ ، وَهَذَا جَهْلٌ مِنْهُمْ .
فَإِنَّ سَمَاعَ كَلَامِ اللَّهِ بَلْ وَسَمَاعَ كُلِّ كَلَامٍ يَكُونُ تَارَةً مِنْ الْمُتَكَلِّمِ بِهِ بِلَا وَاسِطَةِ الرَّسُولِ الْمُبَلِّغِ لَهُ ، قَالَ تَعَالَى : { وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ } ، وَمَنْ قَالَ : إنَّ اللَّهَ كَلَّمَنَا بِالْقُرْآنِ كَمَا كَلَّمَ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ ، أَوْ إنَّا نَسْمَعُ كَلَامَهُ كَمَا سَمِعَهُ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ ، فَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ جَهْلاً وَضَلَالاً .
وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ : إنَّا نَسْمَعُ كَلَامَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا سَمِعَهُ الصَّحَابَةُ مِنْهُ لَكَانَ ضَلَالاً وَاضِحاً ، فَكَيْفَ مَنْ يَقُولُ : إنَّا نَسْمَعُ كَلَامَ اللَّهِ مِنْهُ كَمَا سَمِعَهُ مُوسَى ؛ وَإِنْ كَانَ اللَّهُ كَلَّمَ مُوسَى تَكْلِيماً بِصَوْتٍ سَمِعَهُ مُوسَى ، فَلَيْسَ صَوْتُ الْمَخْلُوقِينَ صَوْتاً لِلْخَالِقِ .
وَكَذَلِكَ مُنَادَاتُهُ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ ، وَتَكَلَّمَهُ بِالْوَحْيِ حَتَّى يَسْمَعَ أَهْلُ السَّمَوَاتِ صَوْتَهُ كَجَرِّ السَّلْسَلَةِ عَلَى الصَّفَا ، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ مِمَّا جَاءَتْ بِهِ النُّصُوصُ وَالْآثَارُ كُلُّهَا ، لَيْسَ فِيهَا أَنَّ صِفَةَ الْمَخْلُوقِ هِيَ صِفَةُ الْخَالِقِ ، بَلْ وَلَا مِثْلُهَا بَلْ فِيهَا الدَّلَالَةُ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ صِفَةِ الْخَالِقِ وَبَيْنَ صِفَةِ الْمَخْلُوقِ ، فَلَيْسَ كَلَامُهُ مِثْلَ كَلَامِهِ وَلَا مَعْنَاهُ مِثْلَ مَعْنَاهُ ، وَلَا حَرْفُهُ مِثْلَ حَرْفِهِ ، وَلَا صَوْتُهُ مِثْلَ صَوْتِهِ ، كَمَا أَنَّ لَيْسَ عِلْمُهُ مِثْلَ عِلْمِهِ ، وَلَا قُدْرَتُهُ مِثْلَ قُدْرَتِهِ ، وَلَا سَمْعُهُ مِثْلَ سَمْعِهِ ، وَلَا بَصَرُهُ مِثْلَ بَصَرِهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لَا فِي ذَاتِهِ ، وَلَا فِي صِفَاتِهِ ، وَلَا فِي أَفْعَالِهِ ، وَلَمَّا اسْتَقَرَّ فِي فَطْرِ الْخَلْقِ كُلِّهِمْ الْفَرْقُ بَيْنَ سَمَاعِ الْكَلَامِ مِنْ الْمُتَكَلِّمِ بِهِ ابْتِدَاءً وَبَيْن سَمَاعِهِ مِنْ
الفتاوى الكبرى — صفحة 9
مساهمون: ابن تيمية
ص٩