الْمُبَلِّغِ عَنْهُ ، كَانَ ظُهُورُ هَذَا الْفَرْقِ فِي سَمَاعِ كَلَامِ اللَّهِ مِنْ الْمُبَلِّغِينَ عَنْهُ أَوْضَحَ مِنْ أَنْ يَحْتَاجَ إلَى الْإِطْنَابِ .
وَقَدْ بَيَّنَ أَئِمَّةُ السُّنَّةِ وَالْعِلْمِ كَالْإِمَامِ أَحْمَدَ وَالْبُخَارِيِّ صَاحِبِ الصَّحِيحِ فِي كِتَابِهِ خَلْقِ الْأَفْعَالِ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ صَوْتِ اللَّهِ الْمَسْمُوعِ مِنْهُ ؛ وَصَوْتِ الْعِبَادِ بِالْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ مَا لَا يُخَالِفُهُمْ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَهْلِ الْعُقُولِ وَالدِّينِ .
فَصْلٌ وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى : { إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ } .
فَهَذَا قَدْ ذَكَرَهُ فِي مَوْضِعَيْنِ .
فَقَالَ فِي الْحَاقَّةِ : { إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ، وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ } .
فَالرَّسُولُ هُنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ فِي التَّكْوِيرِ : { إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ، ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ، مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ، وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ ، وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ } .
فَالرَّسُولُ هُنَا جِبْرِيلُ فَأَضَافَهُ إلَى الرَّسُولِ مِنْ الْبَشَرِ تَارَةً ، وَإِلَى الرَّسُولِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ تَارَةً ، بِاسْمِ الرَّسُولِ ، وَلَمْ يَقُلْ إنَّهُ لَقَوْلُ مَلَكٍ ، وَلَا نَبِيٍّ ، لِأَنَّ لَفْظَ الرَّسُولِ يُبَيِّنُ أَنَّهُ مُبَلِّغٌ عَنْ غَيْرِهِ ، لَيْسَ مِنْ عِنْدِهِ : { وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ } ، فَكَانَ قَوْلُهُ : { إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ } بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ : لَتَبْلِيغُ رَسُولٍ ، أَوْ مُبَلَّغٌ مِنْ رَسُولٍ كَرِيمٍ ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ أَنْشَأَهُ أَوْ أَحْدَثَهُ أَوْ أَنْشَأَ شَيْئاً مِنْهُ أَوْ أَحْدَثَهُ رَسُولٌ كَرِيمٌ ، إذْ لَوْ كَانَ مُنْشِئاً لَمْ يَكُنْ رَسُولاً فِيمَا أَنْشَأَهُ وَابْتَدَأَهُ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الضَّمِيرَ عَائِدٌ إلَى الْقُرْآنِ مُطْلَقاً .
وَأَيْضاً فَلَوْ كَانَ أَحَدُ الرَّسُولَيْنِ أَنْشَأَ حُرُوفَهُ وَنَظَمَهُ ؛ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ الرَّسُولُ الْآخَرُ هُوَ الْمُنْشِئُ الْمُؤَلِّفُ لَهَا ؛ فَبَطَلَ أَنْ تَكُونَ إضَافَتُهُ إلَى الرَّسُولِ هُنَا لِأَجْلِ إحْدَاثِ لَفْظِهِ وَنَظْمِهِ .
وَلَوْ جَازَ أَنْ تَكُونَ الْإِضَافَةُ هُنَا لِأَجْلِ إحْدَاثِ الرَّسُولِ لَهُ أَوْ لِشَيْءٍ مِنْهُ لَجَازَ أَنْ نَقُولَ إنَّهُ قَوْلُ الْبَشَرِ ، وَهَذَا قَوْلُ الْوَحِيدِ الَّذِي أَصْلَاهُ اللَّهُ سَقَرَ .
الفتاوى الكبرى — صفحة 10
مساهمون: ابن تيمية
ص١٠