حَدِيثِ جَابِرٍ الَّذِي فِي السُّنَنِ : { إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَيَّ فِي الْمَوْقِفِ ، وَيَقُولُ : أَلَا رَجُلٌ يَحْمِلُنِي إلَى قَوْمِهِ لِأُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي فَإِنَّ قُرَيْشاً مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي } .
وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ لَمَّا خَرَجَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ : { ألم ، غُلِبَتْ الرُّومُ ، فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ } ، قَالُوا : هَذَا كَلَامُكَ أَمْ كَلَامُ صَاحِبِكَ ؟ فَقَالَ : " لَيْسَ بِكَلَامِي وَلَا بِكَلَامِ صَاحِبِي ، وَلَكِنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ " .
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً ، وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً ، وَبَنِينَ شُهُوداً ، وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً ، ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ ، كَلّاً إنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيداً ، سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً ، إنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ، فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ، ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ، ثُمَّ نَظَرَ ، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ، ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ ، فَقَالَ إنْ هَذَا إلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ، إنْ هَذَا إلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ } .
فَمَنْ قَالَ إنَّ هَذَا قَوْلُ الْبَشَرِ كَانَ قَوْلُهُ مُضَاهِياً لِقَوْلِ الْوَحِيدِ الَّذِي أَصْلَاهُ اللَّهُ صَقَرَ .
وَمِنْ الْمَعْلُومِ لِعَامَّةِ الْعُقَلَاءِ أَنَّ مَنْ بَلَّغَ كَلَامَ غَيْرِهِ كَالْمُبَلِّغِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى } .
إذَا سَمِعَهُ النَّاسُ مِنْ الْمُبَلِّغِ قَالُوا هَذَا حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذَا كَلَامُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَلَوْ قَالَ الْمُبَلِّغُ هَذَا كَلَامِي وَقَوْلِي لَكَذَّبَهُ النَّاسُ .
لِعِلْمِهِمْ بِأَنَّ الْكَلَامَ كَلَامٌ لِمَنْ قَالَهُ مُبْتَدِئاً مُنْشِئاً لَا لِمَنْ أَدَّاهُ رَاوِياً مُبَلِّغاً ، فَإِذَا كَانَ مِثْلُ هَذَا مَعْلُوماً فِي تَبْلِيغِ كَلَامِ الْمَخْلُوقِ فَكَلَامُ الْخَالِقِ أَوْلَى أَنْ لَا يُجْعَلَ كَلَاماً لِغَيْرِ الْخَالِقِ .
وَقَدْ أَخْبَرَ تَعَالَى بِأَنَّهُ تَنْزِيلٌ مِنْهُ ، فَقَالَ : { وَاَلَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّك بِالْحَقِّ } .
وَقَالَ : { حم ، تَنْزِيلٌ مِنْ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } .
الفتاوى الكبرى — صفحة 6
مساهمون: ابن تيمية
ص٦