كِتَابُ النِّكَاحِ
وَالْإِعْرَاضُ عَنْ الْأَهْلِ وَالْأَوْلَادِ لَيْسَ مِمَّا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا هُوَ دِينُ الْأَنْبِيَاءِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِك وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً } وَالنِّكَاحُ فِي الْآيَاتِ حَقِيقَةٌ فِي الْعَقْدِ وَالْوَطْءِ وَالنَّهْيُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا وَلَيْسَ لِلْأَبَوَيْنِ إلْزَامُ الْوَلَدِ بِنِكَاحِ مَنْ لَا يُرِيدُ فَلَا يَكُونُ عَاقّاً كَأَكْلِ مَا لَا يُرِيدُ وَيَحْرُمُ النَّظَرُ بِشَهْوَةٍ إلَى النِّسَاءِ وَالْمُرَادُ أَنَّ مَنْ اسْتَحَلَّهُ كَفَرَ إجْمَاعاً وَيَحْرُمُ النَّظَرُ مَعَ وُجُودِ ثَوَرَانِ الشَّهْوَةِ وَهُوَ مَنْصُوصُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ .
وَمَنْ كَرَّرَ النَّظَرَ إلَى الْأَمْرَدِ وَنَحْوِهِ وَقَالَ لَا أَنْظُرُ بِشَهْوَةٍ كَذَبَ فِي دَعْوَاهُ وَقَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَمَنْ نَظَرَ إلَى الْخَيْلِ وَالْبَهَائِمِ وَالْأَشْجَارِ عَلَى وَجْهِ اسْتِحْسَانِ الدُّنْيَا وَالرِّئَاسَةِ وَالْمَالِ فَهُوَ مَذْمُومٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْك إلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ } وَأَمَّا إنْ كَانَ عَلَى وَجْهٍ لَا يُنْقِصُ الدِّينَ وَإِنَّمَا فِيهِ رَاحَةُ النَّفْسِ فَقَطْ كَالنَّظَرِ إلَى الْأَزْهَارِ فَهَذَا مِنْ الْبَاطِلِ الَّذِي يُسْتَعَانُ بِهِ عَلَى الْحَقِّ وَكُلُّ قِسْمٍ مَتَى كَانَ مَعَهُ شَهْوَةٌ كَانَ حَرَاماً بِلَا رَيْبٍ سَوَاءٌ كَانَتْ شَهْوَةَ تَمَتُّعٍ بِالنَّظَرِ أَوْ كَانَتْ شَهْوَةُ الْوَطْءِ وَاللَّمْسِ كَالنَّظَرِ وَأَوْلَى وَتَحْرُمُ الْخَلْوَةُ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ وَلَوْ بِحَيَوَانٍ يَشْتَهِي الْمَرْأَةَ أَوْ تَشْتَهِيهِ كَالْقِرْدِ .
وَذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَتَحْرُمُ الْخَلْوَةُ بِأَمْرَدَ غَيْرِ حَسَنٍ وَمُضَاجَعَتُهُ كَالْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ وَلَوْ لِمَصْلَحَةِ التَّعْلِيمِ وَالتَّأْدِيبِ ، وَالْمُقِرُّ مُوَلِّيهِ عِنْدَ مَنْ يُعَاشِرُهُ لِذَلِكَ مَلْعُونٌ دَيُّوثٌ .
وَمَنْ عُرِفَ بِمَحَبَّتِهِمْ أَوْ مُعَاشَرَةٍ بَيْنَهُمْ مُنِعَ مِنْ تَعْلِيمِهِمْ ، وَإِنْ احْتَاجَ الْإِنْسَانُ إلَى النِّكَاحِ
الفتاوى الكبرى — صفحة 449
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٤٩